تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
ما يتناوله الكاتب
الاقتصاد يبدو أحيانًا كأنه عالم مغلق له لغة خاصة وأرقام لا تنتهي ومصطلحات تجعل الإنسان العادي يشعر أن هناك شيئًا مهمًا يحدث أمامه لكنه لا يملك المفتاح لفهمه وهنا تأتي الفكرة الأساسية التي تجعل طرح تشارلز ويلان مختلفًا فهو لا يحاول تحويل القارئ إلى اقتصادي محترف بقدر ما يحاول أن يمنحه الأدوات التي تجعله يفهم لماذا ترتفع الأسعار ولماذا تنخفض ولماذا تنجح بعض الشركات وتفشل أخرى ولماذا تتدخل الحكومات في بعض الأسواق وتترك أسواقًا أخرى تتحرك بحرية
السوق ليس مجرد مكان يذهب إليه الناس لشراء الأشياء بل نظام هائل من الحوافز والمعلومات والقرارات الفردية وكل قرار صغير يغير شيئًا في الصورة الكبيرة فالمستهلك الذي يبحث عن سعر أفضل يدفع الشركات إلى المنافسة والشركة التي تريد تحقيق ربح أكبر تبحث عن طريقة أكثر كفاءة للإنتاج والعامل الذي يملك مهارة مطلوبة يستطيع غالبًا الحصول على أجر أعلى لأن قيمة ما يقدمه ترتبط بما يحتاجه السوق وليس فقط بعدد الساعات التي يعملها
الحوافز تصبح واحدة من أهم المفاتيح لفهم السلوك الاقتصادي فالناس لا يتحركون دائمًا بناء على ما يفترضه الآخرون عنهم بل يستجيبون لما يحصلون عليه من مكافآت وما يتحملونه من تكاليف وحين تتغير الحوافز تتغير التصرفات ولهذا يمكن لقرار حكومي يبدو منطقيًا على الورق أن ينتج نتيجة عكسية إذا تجاهل الطريقة التي سيتصرف بها الناس بعد تطبيقه
الحكومة تظل ضرورية رغم قوة الأسواق لأن السوق لا يستطيع حل كل مشكلة وحده فهناك خدمات ومنافع عامة لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها بالكفاءة نفسها وهناك تلوث واحتكارات ومعلومات ناقصة تجعل المنافسة أقل عدالة كما أن وجود الحكومة لا يعني أن كل تدخل حكومي ناجح فالسياسات العامة نفسها تحتاج إلى حساب تكلفتها والنتائج التي تنتج عنها والجهات التي تستفيد منها والجهات التي تتحمل ثمنها
المعلومة تتحول إلى سلعة اقتصادية شديدة الأهمية لأن القرارات لا تعتمد فقط على الأسعار ولكن على المعرفة التي يمتلكها كل طرف فالمستهلك لا يعرف دائمًا جودة المنتج قبل شرائه والشركة لا تعرف دائمًا ما يريده الناس والمستثمر لا يعرف ما سيحدث غدًا وهذه الفجوات تخلق مخاطر وفرصًا في الوقت نفسه ولذلك يصبح الاقتصاد في جوهره دراسة للطريقة التي يتعامل بها البشر مع عالم لا يملكون عنه معلومات كاملة
الإنتاجية تكشف جانبًا آخر من الحكاية فارتفاع مستوى المعيشة لا يأتي فقط من زيادة عدد ساعات العمل وإنما من قدرة الإنسان على إنتاج قيمة أكبر خلال الوقت نفسه والتعليم والتكنولوجيا ورأس المال والمهارات كلها عوامل ترفع الإنتاجية وتفسر لماذا يستطيع اقتصاد ما إنتاج سلع وخدمات أكثر من اقتصاد آخر رغم امتلاكهما أعدادًا متقاربة من العمال
المال نفسه ليس مجرد أوراق تحمل أرقامًا بل أداة تقوم على الثقة وتسمح للاقتصاد بتبادل القيمة بسهولة أكبر ووجود البنوك والأسواق المالية يجعل الادخار والاستثمار والاقتراض ممكنة على نطاق واسع لكن هذه القوة تحمل معها مخاطر لأن النظام المالي يستطيع تسريع النمو كما يستطيع تضخيم الأخطاء وحين تتراكم المخاطر داخل المؤسسات والأسواق يمكن لمشكلة تبدو صغيرة أن تتحول إلى أزمة واسعة وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمة المالية العالمية
التضخم والبطالة وأسعار الفائدة والسياسة النقدية تبدو مصطلحات بعيدة عن الحياة اليومية لكنها في الحقيقة تدخل مباشرة في تفاصيل حياة الناس فارتفاع الأسعار يؤثر على القوة الشرائية وارتفاع الفائدة يغير تكلفة الاقتراض والاستثمار وتراجع النشاط الاقتصادي يمكن أن ينعكس على الوظائف والدخل ولهذا يصبح فهم الاقتصاد وسيلة لفهم الأخبار والقرارات السياسية بدل استقبالها كأرقام منفصلة لا علاقة بينها
التجارة الدولية تكشف أن الاقتصاد لا يتوقف عند حدود الدولة فالسلعة التي يشتريها شخص في دولة ما قد تكون نتيجة شبكة طويلة من العمال والمواد الخام والتكنولوجيا ورأس المال الممتدة عبر عدة دول والمنافسة العالمية يمكن أن توفر منتجات أرخص وأسواقًا أوسع لكنها تفرض أيضًا ضغوطًا على بعض العمال والقطاعات ولهذا فإن الحديث عن التجارة لا يمكن اختصاره في شعار بسيط يقول إنها جيدة أو سيئة لأن آثارها تختلف باختلاف الأشخاص والقطاعات والاقتصادات
الفقر والثروة يفتحان السؤال الأكبر لماذا تستطيع دول توفير مستويات مرتفعة من التعليم والصحة والدخل بينما تعاني دول أخرى من ضعف الإنتاجية والفقر وعدم الاستقرار والإجابة لا تختبئ في عامل واحد فالمؤسسات والتعليم والصحة والاستثمار والاستقرار السياسي والتجارة والقدرة على الابتكار كلها أجزاء من الصورة والتنمية الحقيقية تحتاج إلى بيئة تسمح للإنسان بأن ينتج ويستثمر ويتعلم ويبتكر دون أن يتحول النجاح نفسه إلى استثناء نادر
قيمة هذا الطرح أنه يجعل الاقتصاد أقرب إلى الحياة اليومية فالاقتصاد ليس بورصة وأسعار عملات فقط وليس مجموعة معادلات محفوظة داخل الكتب بل طريقة لفهم الاختيارات البشرية وما يترتب عليها وعندما تفهم الحوافز والأسواق والمعلومات والإنتاجية والحكومة والمال والتجارة يصبح من الصعب النظر إلى أي خبر اقتصادي باعتباره مجرد رقم عابر لأن خلف كل رقم ملايين القرارات وخلف كل سياسة مجموعة من المستفيدين والمتضررين وخلف كل أزمة سلسلة طويلة من الاختيارات التي قادت إليها
أقوى ما يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الرحلة ليس حفظ المصطلحات الاقتصادية وإنما اكتساب عادة السؤال ماذا سيحدث عندما تتغير الحوافز ومن سيدفع التكلفة ومن سيحصل على الفائدة وهل المشكلة التي نحاول حلها ستنتقل إلى مكان آخر أم ستختفي فعلًا فهذه الأسئلة تجعل الاقتصاد أقل غموضًا وأكثر اتصالًا بالحياة وتكشف أن فهم الاقتصاد لا يحتاج إلى أن تكون خبيرًا بالأرقام بقدر ما يحتاج إلى أن تكون قادرًا على رؤية العلاقة بين القرار والنتيجة وبين المصلحة والسلوك وبين ما نراه على السطح وما يحدث خلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان
Naked Economics Undressing the Dismal Science
الاقتصاد عاريًا تعرية العلم الكئيب
المؤلف
تشارلز ويلان
الناشر
W W Norton and Company
بلد النشر
الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة
الطبعة الثالثة منقحة ومحدثة بالكامل
سنة النشر
2019
عدد الصفحات
400 صفحة بحسب بيانات الناشر للطبعة الثالثة
ISBN
9780393356496 للطبعة الورقية
9780393356946 للنسخة الإلكترونية







