القلب المدار

قراءة فى كتاب
القلب المُدار
The Managed Heart
المؤلفة: أرلي راسل هوشيلد – Arlie Russell Hochschild
كل كتاب يبدأ من سؤال…
سؤال يفتح لنا بابا جديدا لفهم أنفسنا والحياة من حولنا.
وربما يكون السؤال الذي يطرحه هذا الكتاب أكثر قربًا منا مما نتخيل:
هل مشاعرنا ملكٌ لنا حقا… أم أننا أحيانا نعمل بها ونبيعها دون أن نشعر؟
لماذا كتب هذا الكتاب؟
كتبت عالمة الاجتماع الأمريكية أرلي راسل هوشيلد كتاب القلب المُدار لتكشف جانبا خفيا من العمل والحياة اليومية: الجهد الذي نبذله في إدارة مشاعرنا ومظاهرها حتى نتصرف بالطريقة التي يتوقعها الآخرون منا.
فنحن لا نبيع في العمل وقتنا ومهاراتنا فقط؛ ففي كثير من المهن نبيع أيضًا ابتسامتنا، هدوءنا، صبرنا، تعاطفنا، قدرتنا على جعل الآخرين يشعرون بالراحة.
تستند هو شيلد في تحليلها إلى تجارب مهن تتطلب تواصلا مباشرا مع الجمهور، مثل مضيفات الطيران ومحصلى الديون، لتوضح كيف يمكن للمؤسسة أن تضع قواعد محددة للمشاعر التي ينبغي للعامل أن يُظهرها.
أهم الأفكار التي يقدمها الكتاب
أهم ما قدمته هوشيلد هو مفهوم العمل العاطفي Emotional Labor.
والمقصود به ليس مجرد أن نكون مهذبين أو نتحكم في أعصابنا، وإنما أن نبذل جهدًا واعيا لكي نُظهر مشاعر معينة لأن وظيفتنا تتطلب ذلك.
تخيل مضيفة طيران تتعامل مع مئات الركاب، وبعضهم قد يكون غاضبا أو متوترا أو صعب التعامل. ومع ذلك، يطلب منها أن تظل هادئة، مبتسمة، ودودة، وأن تجعل الراكب يشعر بأنه موضع ترحيب.
هنا تصبح الابتسامة جزءًا من العمل.
لكن هو شيلد تذهب إلى ما هو أعمق من ذلك؛ فهي تميز بين إدارة المظهر الخارجي للمشاعر وبين محاولة تغيير الشعور الداخلي نفسه.
فقد نكون غاضبين، لكننا نبتسم رغم ذلك. وهذا يسمي التعبير السطحي Surface Acting.
وقد نحاول أن نغير شعورنا من الداخل، تستدعي في أذهاننا فكرة أو ذكرى تساعدنا على الشعور فعلا بالهدوء أو التعاطف، وهو ما يرتبط بما تسميه هو شيلد التعبير العميق Deep Acting.
وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية:
المشكلة ليست في أن ندير مشاعرنا… فنحن جميعًا نفعل ذلك بدرجات مختلفة.
المشكلة تبدأ عندما تصبح مشاعرنا نفسها جزءًا من السلعة التي نبيعها.
فالإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يعرف فيها:
هل أنا أبتسم لأنني سعيد فعلا؟
أم لأن وظيفتي تطلب مني أن أبتسم؟
ومن هنا تأتي فكرة الاغتراب العاطفي؛ حين يشعر الإنسان أن التعبير الذي يقدمه للآخرين لم يعد يعبر عنه هو، وأن ابتسامته أصبحت جزءًا من الوظيفة أكثر مما هي تعبير عن شعوره الحقيقي.
وتقدم هوشيلد أيضًا مفهوم قواعد الشعور Feeling Rules؛ وهي القواعد الاجتماعية والثقافية التي تخبرنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بما ينبغي أن نشعر به أو نظهره في موقف معين.
ففي موقف الحزن، هناك مشاعر “مقبولة” اجتماعيًا.
وفي العمل، هناك مشاعر “مهنية”.
وفي العلاقات، هناك مشاعر نتوقع أن يقدمها الآخرون لنا.
وبالتالي، نحن لا ندير مشاعرنا بشكل عشوائي، إنما نتأثر بقواعد اجتماعية تحدد لنا ما هو مناسب وما هو غير مناسب.
و الأكثر إثارة أن هذه القواعد لا تتوزع بالتساوي بين الجميع.
توضح هو شيلد أن العمل العاطفي يرتبط بالنوع الاجتماعي والمكانة والسلطة، وأن النساء يتحملن في كثير من السياقات قدرا أكبر من العمل العاطفي؛ سواء في المنزل أو في الوظائف التي تتطلب الرعاية واللطف والتعاطف والتواصل المستمر مع الآخرين.
وهكذا، يصبح السؤال أكبر من مجرد:
“لماذا أنا متعب؟”
أحيانا لا يكون التعب من عدد ساعات العمل، ولا من المجهود الجسدي فقط…
بل من عدد المرات التي اضطررت فيها إلى أن تشعر بشيء لا تشعر به، أو أن تخفي شعورا تشعر به فعلا.
يلخص هذا الكتاب بعض الأمور التي نحتاج إلى أن نتوقف عندها
أولها أن المشاعر ليست شيئًا هامشيا في حياتنا؛ فهي جزء أساسي من الطريقة التي نعمل ونتواصل ونعيش بها.
وثانيها أن التحكم في المشاعر قد يكون مهارة مفيدة، لكنه قد يصبح مرهقا عندما يتحول إلى مطلب دائم.
وثالثها أن المؤسسات لا تدير وقت الموظف وجهده فقط؛ ففي بعض المهن تحاول أيضًا تنظيم الطريقة التي يظهر بها الموظف مشاعره.
ورابعها أن هناك فرقا بين أن أختار أن أكون لطيفا، وبين أن أجبر على إظهار اللطف مهما كان ما أشعر به من الداخل.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الكتاب:
ليست كل ابتسامة دليلا على السعادة، وليست كل هدوء علامة على السلام الداخلي.
أحيانا تكون الابتسامة مهارة مهنية…
وأحيانا يكون الهدوء وظيفة…
أحيانا يكون التعاطف الذي نقدمه للآخرين موجودا نفسيا لا يراه أحد.

يناسب هذا الكتاب كل من يعمل في مجال يعتمد على التعامل المباشر مع الناس، مثل الإعلام، وخدمة العملاء، والتعليم، والرعاية الصحية، والمبيعات، والإدارة، والعلاقات العامة.
وهو مهم أيضًا لكل شخص يشعر أنه يقضي جزءًا كبيرًا من يومه في إرضاء الآخرين وإدارة ردود أفعالهم ومشاعرهم.
كما يناسب المهتمين بعلم الاجتماع وعلم النفس والعمل والعلاقات الإنسانية، لأنه يجعلنا ننظر إلى السلوك اليومي من زاوية مختلفة تماما.
أخيرًا
ربما تكون أجمل فكرة يمكن أن نخرج بها من القلب المدار هي أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يسأل:
“ماذا أفعل؟”
بل يحتاج أحيانا إلى أن يسأل:
“ماذا أشعر وأنا أفعل ذلك؟”
لأننا قد ننجح في إدارة كل شيء حولنا…
العمل، الوقت، الصورة، الكلمات، وحتى ابتساماتنا…
ثم نكتشف في النهاية أننا نسينا أن نسأل أنفسنا:
وأين أنا من كل هذا؟
الكتاب لا يدعونا إلى أن نتوقف عن التحكم في مشاعرنا، ولا إلى أن نكون صادقين مع كل شعور يمر بنا في كل لحظة.
لكنه يدعونا إلى وعي أعمق:
أن نعرف متى نختار أن ندير مشاعرنا…
ومتى يكون الآخرون هم من يديرونها نيابة عنا.
فربما لا تكون المشكلة في أن يكون لدينا قلب مدار…
بل في أن نعيش طويلا ونحن لا نعرف من الذي يمسك عجلة القيادة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *