الأداء الجيد هل هو وسيلة الوصول الوحيدة؟! .. قراءة نقدية في كتاب «القوة: لماذا يمتلكها البعض ولا يمتلكها آخرون»

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

الفكرة الرئيسية للكتاب، يقدم عالم الاجتماع وعالم السلوك التنظيمي الأمريكي جيفري بفّر (Jeffrey Pfeffer) في كتابه «القوة» قراءة واقعية لطبيعة النفوذ داخل المؤسسات والمجتمعات المهنية، متسائلًا لماذا يصعد بعض الأشخاص إلى مواقع التأثير بينما يبقى آخرون، رغم كفاءتهم، بعيدين عن دوائر القرار.

وينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن الأداء والكفاءة وحدهما لا يضمنان الوصول إلى السلطة، وأن العلاقات، والسمعة، والقدرة على إدارة الانطباع، والوصول إلى الموارد والمعلومات، وفهم السياسة التنظيمية، كلها عناصر يمكن أن تحدد موقع الفرد داخل المؤسسة، ولا يتعامل بفّر مع القوة باعتبارها مفهومًا أخلاقيًا في حد ذاته، بل باعتبارها أداة اجتماعية وتنظيمية لإنجاز الأشياء والتأثير في القرارات.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

ينطلق بفّر من ملاحظة أن الخطاب الشائع حول النجاح المهني يركز غالبًا على الاجتهاد، والكفاءة، والالتزام، والقدرات الفنية، وكأن المؤسسة تعمل دائمًا وفق قواعد موضوعية وعادلة، لكن الواقع التنظيمي أكثر تعقيدًا، فالأشخاص الذين يحصلون على الترقيات والمناصب المؤثرة ليسوا بالضرورة الأكثر كفاءة فنيًا، كما أن أصحاب الإنجازات لا يحصلون دائمًا على النفوذ الذي يتوقعونه، ومن هنا يحاول الكتاب الكشف عن القواعد غير المكتوبة للسلطة داخل المؤسسات، وكيف يمكن للفرد أن يفهمها ويتعامل معها بدلًا من تجاهلها.

من أهم الأفكار التي جاءت في الكتاب:

يرفض بفّر الاعتقاد بأن النجاح المهني نتيجة مباشرة لجودة الأداء فقط، فقد يكون الشخص شديد الكفاءة، لكنه لا يمتلك شبكة علاقات مؤثرة، أو لا يعرف كيف يقدم إنجازاته، أو يفتقر إلى القدرة على التأثير في أصحاب القرار.

وفي المقابل، قد يصل شخص أقل تميزًا فنيًا إلى موقع أقوى لأنه يعرف كيف يبني العلاقات، ويظهر قدراته، ويدير صورته المهنية، ويفهم مصالح الأطراف المختلفة، وهنا لا يقلل الكتاب من قيمة الأداء، لكنه يضعه داخل منظومة أوسع؛ الإنجاز مهم، لكنه يحتاج إلى الظهور والتواصل والتحالفات حتى يتحول إلى نفوذ.

من أهم أفكار الكتاب أيضًا أن النفوذ لا يعيش في الفرد وحده، وإنما يتشكل داخل شبكة العلاقات، فالشخص الذي يمتلك علاقات واسعة مع أصحاب القرار، ويحصل على معلومات مبكرة، ويعرف من يمكنه مساعدته، ويستطيع بناء تحالفات داخل المؤسسة، يمتلك موارد قوة لا تتوافر بالضرورة لشخص يعمل بمعزل عن الآخرين، ولا تعني العلاقات هنا المجاملة الاجتماعية فقط، وإنما القدرة على بناء شبكات مهنية تقوم على تبادل المصالح والمعلومات والدعم، ومن هذه الزاوية، يصبح بناء العلاقات جزءًا من العمل المهني نفسه، وليس نشاطًا هامشيًا منفصلًا عنه.

ويناقش بفّر أهمية الطريقة التي يظهر بها الإنسان أمام الآخرين، ففي بيئات العمل، لا يعتمد الناس دائمًا على معلومات كاملة للحكم على الشخص، ولذلك تلعب الإشارات السلوكية والمظهر والثقة وطريقة الحديث والتعامل مع المواقف دورًا في تشكيل الانطباع، ولهذا يرى الكتاب أن الظهور بمظهر الشخص القادر والمؤثر يمكن أن يساعد في بناء النفوذ، لأن الآخرين يستجيبون أحيانًا لما يعتقدون أن الشخص قادر على فعله، وليس فقط لما أنجزه بالفعل، لكن الفكرة لا تعني اختلاق إنجازات غير موجودة، وإنما إدارة الصورة المهنية بحيث لا تظل الكفاءة الحقيقية غير مرئية.

خلاصة الكتاب تتلخص في عدة نقاط أبرزها:

  1. الأداء الجيد لا يضمن وحده الوصول إلى القوة.
  2. النفوذ داخل المؤسسات يعتمد على العلاقات بقدر اعتماده على الكفاءة.
  3. الشبكات المهنية تمنح صاحبها معلومات وفرصًا وتأثيرًا.
  4. الظهور المهني وإدارة السمعة عنصران مهمان في بناء النفوذ.
  5. الوصول إلى الموارد يمنح الفرد مصدرًا من مصادر القوة.
  6. فهم المصالح المختلفة داخل المؤسسة يساعد على اتخاذ قرارات أكثر فاعلية.
  7. الطموح المهني يحتاج إلى مهارات سياسية وتنظيمية إلى جانب المهارات الفنية.
  8. القدرة على التواصل والإقناع يمكن أن تكون مصدرًا للقوة.
  9. القوة ليست هدفًا أخلاقيًا في حد ذاتها، وإنما أداة يمكن استخدامها بصورة إيجابية أو سلبية.
  10. فهم قواعد النفوذ أفضل من تجاهل وجودها داخل المؤسسات.
  11. بناء التحالفات قد يكون أكثر فاعلية من العمل الفردي المنعزل.
  12. امتلاك القوة يفرض تكاليف ومسؤوليات، ولا يأتي دون ثمن.

يناسب الكتاب المديرين، والموظفين، ورواد الأعمال، وقادة فرق العمل، والمتخصصين في الموارد البشرية، والمهتمين بالسلوك التنظيمي والقيادة، كما يفيد كل شخص يشعر أن كفاءته المهنية لا تنعكس بالضرورة على مكانته داخل المؤسسة، ويريد فهم العوامل غير الرسمية التي تؤثر في الترقيات وصناعة القرار والنفوذ.

نقاط القوة التي يمكن رصدها في الكتاب تتلخص في أنه قدم قراءة واقعية وغير مثالية للبيئة المهنية، ويكشف جانبًا غالبًا ما يتم تجاهله في كتب النجاح والقيادة، وهو السياسة التنظيمية، كمايربط بين القوة والعلاقات والسمعة والموارد.

في الوقت نفسه، يعتمد الكتاب على خبرة أكاديمية طويلة للمؤلف في السلوك التنظيمي، ويقدم أفكارًا قابلة للنقاش والتطبيق في بيئات العمل، كما يوضح أن المؤسسات لا تعمل دائمًا وفق معيار الكفاءة وحده، ويطرح مفهوم القوة بصورة عملية بعيدًا عن التناول النظري المجرد.

وقد أشادت مراجعات الكتاب بقدرته على تقديم تحليل مباشر لما يحدث فعلًا داخل المؤسسات، مع التركيز على بناء العلاقات والترويج للإنجازات وإدارة الصورة المهنية.

من أبرز نقاط ضعف الكتاب:

  • قد تبدو بعض النصائح شديدة الواقعية إلى درجة تجعل الحياة المهنية تبدو وكأنها صراع دائم على النفوذ.
  • التركيز على السياسة التنظيمية قد يدفع بعض القراء إلى المبالغة في استخدام التكتيكات السياسية.
  • ليس كل بيئة عمل قائمة بالدرجة نفسها على المنافسة والصراع على السلطة.
  • بعض الأفكار قد تكون أكثر ملاءمة للمؤسسات الكبيرة والبيروقراطية من المؤسسات الصغيرة أو ذات الهياكل المرنة.
  • هناك خط فاصل بين إدارة الصورة المهنية بصورة ذكية وبين التلاعب بالآخرين، ويحتاج الكتاب إلى قراءة نقدية حتى لا تختلط الفكرتان.

ويطرح الكتاب سؤالًا بالغ الأهمية للمناقشة ألا وهو: هل المؤسسات تكافئ الأفضل فعلًا، أم تكافئ في أحيان كثيرة من يعرف كيف يظهر كأفضل؟، كما يفتح النقاش حول العلاقة بين الكفاءة والنفوذ. فقد يمتلك الموظف معرفة عميقة وخبرة كبيرة، لكنه لا يمتلك شبكة علاقات أو حضورًا يسمح له بالتأثير في القرار.

وفي المقابل، قد يتحول التركيز المفرط على بناء القوة إلى مشكلة إذا أصبح الهدف هو النفوذ من أجل النفوذ فقط، ومن هنا يمكن قراءة أفكار بفّر بصورة أكثر توازنًا: فهم السياسة التنظيمية لا يعني التحول إلى شخص انتهازي، كما أن بناء العلاقات لا يعني النفاق، وإدارة السمعة لا تعني خداع الآخرين، القوة يمكن أن تصبح وسيلة للدفاع عن الأفكار، وحماية الفرق، وتغيير المؤسسات، وتحقيق نتائج يستحيل الوصول إليها من موقع ضعيف.

وفي الأخير .. عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

يقدم «القوة» قراءة مختلفة للنجاح المهني؛ قراءة تتجاوز الفكرة المريحة التي تقول إن العمل الجيد سيحصل تلقائيًا على التقدير والمكافأة، ففي عالم المؤسسات، لا تكفي القدرة على أداء المهمة، بل يحتاج الإنسان أيضًا إلى أن يعرف كيف يُرى، ومن يعرفه، ومن يثق به، وما الموارد التي يستطيع الوصول إليها، وكيف يؤثر في الآخرين وفي عملية صنع القرار، لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في تحويل القارئ إلى لاعب سياسي داخل المؤسسة، وإنما في تعليمه أن القوة موجودة بالفعل، سواء اعترف بها أم تجاهلها.

ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف أحصل على القوة؟ وإنما: لماذا أريدها، وكيف سأستخدمها عندما أحصل عليها؟، فالقوة يمكن أن تكون وسيلة للترقي والمصلحة الشخصية، لكنها يمكن كذلك أن تكون أداة للتغيير، وحماية الآخرين، وتحسين المؤسسات، ودفع القرارات في اتجاه أكثر فاعلية وعدلًا.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: Power: Why Some People Have It—and Others Don’t

العنوان العربي: القوة: لماذا يمتلكها البعض ولا يمتلكها آخرون

المؤلف: جيفري بفّر (Jeffrey Pfeffer)

دار النشر: HarperBusiness، إحدى علامات HarperCollins

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2010

عدد الصفحات: 273 صفحة في بيانات الفهرسة للطبعة الأولى، بينما تسجل بعض المصادر 288 صفحة بحسب طريقة احتساب صفحات الطبعة.

رقم الإيداع/التحكم في مكتبة الكونجرس (LCCN): 2010015280

ISBN-10: 0061789089

ISBN-13: 9780061789083

وتؤكد بيانات الفهرسة للطبعة الأولى رقم LCCN والـISBN، كما يظهر رقم LCCN نفسه في سجلات ببليوغرافية أخرى للكتاب.

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *