“الآن!.. حين يتوقف الإنسان عن تأجيل حياته”

تمهيد

هناك لحظة غريبة في حياة الإنسان، يستمر فيها كل شيء من حوله في الحركة، بينما يتوقف هو في مكان ما بين الماضي والمستقبل، يتذكر ما كان، ويخطط لما سيكون، لكنه ينسى الشيء الوحيد الذي يملكه بالفعل: هذه اللحظة، ومن هذه المسافة الصغيرة بين الإنسان وحاضره، يبدأ كتاب «الآن!.. اغتنم اللحظة، فهذا كل ما تملك» للكاتب النرويجي إريك برتراند لارسن، ليطرح سؤالا يبدو بسيطا، لكنه يحمل في داخله أزمة إنسانية كاملة: ماذا لو كانت حياتنا تضيع لأننا لا نعيشها حين تحدث؟

 

لارسن، الذي جمع في تجربته بين العمل كمدرب ذهني وخبرات الحياة العسكرية والعمل مع أصحاب الأداء المرتفع، لا يقدم «الآن» باعتباره كلمة جميلة تصلح للاقتباس، بل يحوله إلى موقف من الحياة، فالإنسان، في رؤيته، لا يحتاج دائما إلى حياة جديدة، وإنما يحتاج أحيانا إلى أن يعود بكامل انتباهه إلى الحياة التي يعيشها بالفعل، وتدور الفكرة الأساسية للكتاب حول تدريب القوة الداخلية، ومقاومة التشتت، وتعلم الحضور الكامل في اللحظة الراهنة.

 

ما الذي يتناوله الكتاب

يبدأ لارسن من حقيقة يعرفها الجميع، لكن القليلين يتعاملون معها بجدية: الإنسان لا يعيش دائما في اللحظة التي يوجد فيها جسده، قد يكون جالسا أمام أسرته، لكن عقله في العمل، وقد يكون في العمل، لكن ذهنه مع مشكلة حدثت بالأمس، وقد يستيقظ صباحا وهو يعيش بالفعل في القلق مما سيحدث غدا، وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من اللحظات التي تمر أمامنا دون أن نكون حاضرين فيها.

 

من هنا يدعو الكتاب إلى استعادة السيطرة على الانتباه. فالتركيز ليس مجرد وسيلة لإنجاز العمل، وإنما أحد أشكال احترام الحياة نفسها، عندما ينظر الإنسان إلى ما يفعله بكل انتباهه، فإنه لا ينجز بصورة أفضل فقط، بل يشعر أيضا بأنه موجود بالفعل.

 

ويصور لارسن حالة الحضور باعتبارها نوعا من القوة الداخلية، الإنسان الهادئ وسط الضوضاء ليس ضعيفا، بل قد يكون أكثر قوة من الشخص الذي يسمح لكل صوت خارجي بأن يسحبه في اتجاه مختلف، ولذلك يركز الكتاب على التعامل مع الضغوط والمشتتات والانفعالات اليومية، وعلى القدرة على البقاء متماسكا عندما لا تسير الأمور وفقا لما نريد.

 

والفكرة المهمة هنا أن الحضور لا يعني الهروب من المستقبل أو تجاهل الماضي، الماضي يمكن أن يعلمنا، والمستقبل يمكن أن يلهمنا، لكن لا ينبغي أن يسرقا اللحظة الوحيدة التي نستطيع أن نعيشها فعلا.

 

ويستعين لارسن بخبرته الشخصية والمهنية في تدريب العقل، ليقدم رؤية عملية للقوة النفسية، فالتغيير، في تصوره، لا يحدث دائما عبر قرارات ضخمة، وإنما قد يبدأ من تفاصيل صغيرة: أن تستيقظ وأنت تعرف ما تريد، أن تنجز ما أمامك دون تشتيت، أن تنصت إلى من يتحدث إليك، أن تتوقف للحظة عن الركض، وأن تسمح لنفسك برؤية الأشياء الجميلة التي تحيط بك.

 

ومن أجمل أفكار الكتاب أن الطاقة النفسية ليست شيئا ثابتا، الإنسان يمكنه أن يستنزفها بالقلق والتشتت والمقاومة المستمرة، ويمكنه في المقابل أن يستعيدها عندما يتوقف عن محاربة كل شيء في الوقت نفسه، ولهذا تصبح اللحظة الراهنة مساحة لإعادة شحن الإنسان، لا مجرد ثانية عابرة على ساعة الزمن.

 

إن الكتاب لا يقول للقارئ: توقف عن الطموح، بل يقول له بصورة أكثر عمقا: لا تجعل طموحك سببا في غيابك عن حياتك.

 

فالنجاح الذي يجعل الإنسان يركض طوال الوقت دون أن يشعر بما يعيشه قد يتحول في النهاية إلى خسارة من نوع آخر، وما قيمة أن يصل الإنسان إلى المكان الذي حلم به إذا اكتشف، بعد الوصول، أنه لم ير الطريق أصلا؟

 

وبالنسبة للرؤية التحليلية: فانه يمكن قراءة كتاب “الآن!” باعتباره محاولة لإعادة تعريف النجاح، فالنجاح عند لارسن لا يرتبط فقط بالإنجاز الخارجي، وإنما بالقدرة على امتلاك الذات أثناء الإنجاز، وهذه نقطة مهمة في أدبيات التنمية البشرية، لأن كثيرا من الخطابات التحفيزية تنشغل بسؤال: كيف تصل؟ بينما يهتم لارسن بسؤال آخر: كيف تعيش وأنت تصل؟

 

ومن الناحية النفسية، يضع الكتاب الانتباه في قلب عملية تطوير الذات، فالإنسان الذي لا يستطيع التحكم في انتباهه يصبح أكثر عرضة للقلق والتشتت والانفعال، بينما يمنحه التركيز قدرة أكبر على التعامل مع ما يحدث أمامه.

 

وتبدو تجربة لارسن الشخصية مؤثرة في هذه الرؤية، فهو لا يقدم الانضباط باعتباره فكرة مجردة، وإنما ينطلق من خلفية عسكرية وتدريبية، ثم ينقل بعض مبادئ الانضباط إلى الحياة اليومية، وتظهر هذه الفكرة أيضا في أعماله الأخرى التي تتمحور حول التدريب الذهني وتحسين الأداء وتغيير العادات.

 

لكن قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن في تقديم وصفة سحرية، بل في إعادة وضع المسؤولية أمام القارئ، فبدلا من انتظار أن تتغير الظروف حتى نشعر بالراحة، يطلب منا أن نغير علاقتنا بالظروف.

 

 ورغم قوة الفكرة وجاذبيتها، يمكن توجيه ملاحظة نقدية إلى الكتاب تتمثل في أن خطاب تطوير الذات قد يبدو أحيانا أكثر قدرة على إقناع الإنسان بأنه يستطيع التحكم في حياته مما تسمح به الحياة الواقعية، فليست كل الضغوط قابلة للحل بمجرد تغيير طريقة التفكير، وليست كل الأزمات نتيجة لغياب التركيز أو ضعف الانضباط.

 

هناك ظروف اجتماعية واقتصادية وعائلية وصحية قد تفرض على الإنسان أعباء لا يمكن تجاوزها بمجرد التدريب الذهني، ولذلك فإن القراءة الأكثر توازنا للكتاب هي ألا نعتبره وصفة شاملة للحياة، وإنما أداة تساعد الإنسان على تحسين الجزء الذي يستطيع التحكم فيه.

 

كما أن التركيز الشديد على الأداء والانضباط قد يصبح، إذا أسيء فهمه، عبئا جديدا على الإنسان، فقد يتحول السعي إلى “أفضل نسخة من الذات” إلى شعور دائم بأن النسخة الحالية غير كافية.

 

ومن هنا تأتي أهمية قراءة لارسن باعتباره صوتا يدعو إلى الحضور، لا قاضيا يحاكم الإنسان على كل لحظة ضعف.

 

النهاية

في نهاية الطريق، لا يترك لارسن القارئ أمام قائمة طويلة من الوعود، وإنما يعيده إلى أبسط نقطة ممكنة: هذه اللحظة.

 

ربما يكون الإنسان قد أضاع سنوات وهو ينتظر أن تبدأ حياته بعد وظيفة أفضل، أو مال أكثر، أو ظروف أكثر هدوءا، أو حلم يتحقق. لكنه يكتشف فجأة أن الحياة لم تكن تنتظره في المستقبل، بل كانت تمر أمام عينيه طوال الوقت.

 

قد تكون اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات هي نفسها لحظة التحول التي يبحث عنها كثيرون.

ليس لأن العالم تغير.

بل لأنك قررت، ولو للحظة واحدة، أن تكون موجودا فيه.

فالزمن لا يمنحنا إلا الآن، ثم يأخذها منا في اللحظة نفسها.

وما بين اللحظتين، تتشكل حياتنا كلها.

وهكذا يصبح عنوان الكتاب «الآن!» أكثر من عنوان، يصبح نداء أخيرا إلى الإنسان: لا تؤجل حياتك إلى الغد، لأن الغد حين يأتي لن يحمل لك إلا “الآن” جديدا.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

بيانات الكتاب

العنوان الأصلي:  Nå! – Grip øyeblikket, det er alt du har

العنوان بالإنجليزية:  Now! Seize the Moment. It’s All You’ve Go

العنوان المقترح بالعربية: الآن!.. اغتنم اللحظة، فهذا كل ما تملك.

المؤلف: إريك برتراند لارسن –    Erik Bertrand Larssen

الجنسية: نرويجي

التصنيف: تطوير الذات – علم النفس – التحفيز – التدريب الذهني

الناشر:  J.M. Stenersens forlag

سنة الإصدار الأولى: 2015

عدد الصفحات: 237 صفحة

اللغة الأصلية: النرويجية

ISBN للطبعة الورقية: 9788272015847

ISBN  لطبعة أخرى لاحقة: 9788272016165

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *