قراءة في كتاب: كيف يفشل الأطفال؟

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

هل يفشل الأطفال لأنهم غير قادرين على التعلم أم لأن الطريقة التي نعلّمهم بها تدفعهم تدريجيًا إلى الفشل؟ هذا هو السؤال الذي يقف خلف كتاب كيف يفشل الأطفال للمربي الأمريكي جون هولت وهو أحد الكتب التي حاولت النظر إلى العملية التعليمية من داخل الفصل الدراسي نفسه بعيدًا عن النظريات المجردة، صدر الكتاب للمرة الأولى عام 1964 ثم عاد هولت إلى أفكاره وأضاف إليها وراجعها في إصدار منقح صدر عام 1982 ليصبح الكتاب من الأعمال المؤثرة في النقاش حول التعليم وطريقة تعامل المدارس مع الأطفال.

ينطلق هولت من ملاحظة أساسية: الطفل الصغير يمتلك في سنواته الأولى قدرة هائلة على الاستكشاف والفهم والتجربة لكنه قد يفقد جزءًا كبيرًا من هذه الرغبة عندما يدخل إلى نظام تعليمي يجعله يشعر باستمرار بأنه مراقب ومقيّم ومطالب بإعطاء الإجابة الصحيحة، فالمشكلة في نظر المؤلف ليست أن الأطفال لا يريدون التعلم وإنما أن بعض أساليب التعليم تجعلهم يخافون من التعلم نفسه لأن كل محاولة يمكن أن تتحول إلى فرصة للحكم عليهم بالفشل.

ومن هنا يميز الكتاب بين التعلم الحقيقي وبين مجرد تقديم إجابات صحيحة، فقد يستطيع الطفل حفظ معلومة أو الوصول إلى الإجابة التي يريدها المعلم لكنه لا يكون بالضرورة قد فهم الفكرة التي تقف خلفها، وقد يصبح هدفه الأساسي هو معرفة ما يريده الشخص البالغ منه، ثم إعطاؤه الإجابة التي ترضيه بدلًا من محاولة فهم المشكلة بطريقته الخاصة، ويشير هولت إلى أن هذا النوع من السلوك قد يبدو نجاحًا دراسيًا في ظاهره لكنه يخفي وراءه مشكلة أعمق تتعلق بطريقة تفكير الطفل.

ويركز المؤلف بصورة واضحة على الخوف باعتباره أحد أهم أسباب فشل الأطفال، فالطفل الذي يخشى أن يخطئ أمام زملائه أو أن يخيب توقعات والديه أو معلمه قد يبدأ في البحث عن طرق لتجنب الخطأ بدلًا من البحث عن المعرفة، وقد يتوقف عن طرح الأسئلة أو يخفي عدم فهمه أو يحاول تخمين الإجابة التي يريدها المعلم أو يعتمد على الحفظ دون استيعاب، وبهذه الطريقة يصبح النجاح الظاهري أحيانًا وسيلة لإخفاء المشكلة بدلًا من حلها وتعرض المصادر التعريفية للكتاب الفكرة نفسها بوضوح إذ تربط هولت بين الخوف والملل والارتباك وبين فشل الأطفال في تطوير قدراتهم على التعلم والفهم والإبداع.

وهنا يصل الكتاب إلى فكرة شديدة الأهمية وهي أن الطفل قد يتعلم استراتيجيات للفشل كما يتعلم استراتيجيات النجاح، فإذا اكتشف أن محاولة الإجابة تعرضه للإحراج فقد يختار الصمت، وإذا وجد أن المعلم يهتم بالنتيجة أكثر من طريقة الوصول إليها، فقد يبحث عن أسرع طريق للحصول على الإجابة، وإذا أصبح الامتحان هو الهدف النهائي، فقد يتعلم كيف ينجح في الامتحان دون أن يتعلم بالضرورة كيف يفكر في المشكلة.

ويتوقف هولت كذلك عند ظاهرة التخمين ففي بعض المواقف عندما لا يعرف الطفل الإجابة قد يشعر بأن المطلوب منه هو تقديم أي إجابة بسرعة بدلًا من التوقف والتفكير، ومع تكرار هذا الأمر يمكن أن تتحول عملية التفكير إلى محاولة مستمرة لتوقع ما يريده الآخرون وهذا خطر تربوي لأن الطفل يتعلم تدريجيًا أن المهم ليس أن يفهم وإنما أن يبدو وكأنه يفهم.

ولا يرى المؤلف أن الخطأ مشكلة في حد ذاته على العكس، فالخطأ بالنسبة إلى التعلم الطبيعي يمكن أن يكون معلومة مهمة تخبر الطفل بأن طريقته الحالية لا تعمل، وتدفعه إلى البحث عن طريقة أخرى، المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطأ مرتبطًا بالخجل والعقاب والسخرية فيتعلم الطفل إخفاء أخطائه بدلًا من تحليلها وهنا يتحول الخطأ من خطوة في طريق التعلم إلى مصدر للخوف.

ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالرياضيات وبعض الأنشطة المدرسية لأن هذه المواد تكشف بصورة واضحة الفرق بين الفهم الحقيقي والحفظ، فالطفل قد يعرف قاعدة معينة ويطبقها في مسألة مألوفة لكنه يتعثر بمجرد تغيير شكل السؤال لأنه لم يبنِ نموذجًا ذهنيًا حقيقيًا للمشكلة لذلك يرى هولت أن التعلم الحقيقي يظهر عندما يستطيع الطفل استخدام ما يعرفه في موقف جديد وليس عندما يكرر ما سبق أن تدرب عليه حرفيًا.

ومن الأفكار اللافتة أيضًا أن الملل يمكن أن يكون عائقًا أمام التعلم، فالطفل الذي لا يجد تحديًا حقيقيًا قد يتوقف عن الاهتمام ليس لأنه غير قادر على التفكير ولكن لأن المهمة المقدمة إليه لا تستدعي قدراته، وفي المقابل فإن المبالغة في الضغط قد تؤدي إلى النتيجة نفسها لأن الطفل قد يشعر بأن المطلوب منه أكبر من قدرته على الفهم في اللحظة الحالية فيلجأ إلى الحفظ أو التخمين أو الانسحاب.

ولا يوجه هولت انتقاده إلى المعلمين باعتبارهم أفرادًا سيئين بل ينظر إلى المشكلة باعتبارها مرتبطة أيضًا بالنظام التعليمي نفسه، فالمعلم يعمل داخل منظومة تتضمن درجات وامتحانات ومناهج ومواعيد محددة وهذه العناصر قد تدفع أحيانًا إلى التركيز على النتائج السريعة بدلًا من منح الطفل الوقت الكافي للتجربة والتفكير، وتصف المصادر الكتاب بأنه تحليل لمشكلات التعلم داخل الفصل ولتأثير التقييم والاختبارات والسلطة والثقة في العلاقة التعليمية.

وهذا لا يعني أن هولت يرفض وجود المعلم أو المدرسة أو القواعد وإنما يدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُستخدم بها هذه الأدوات، فالسلطة التعليمية في رأيه يمكن أن تساعد الطفل إذا قامت على الثقة لكنها قد تضر به إذا جعلته يشعر بأنه غير قادر على التفكير بنفسه، والمعلم الناجح ليس فقط من يعرف الإجابة بل من يستطيع أن يساعد الطفل على اكتشافها وفهم الطريق الذي أوصله إليها.

كما يلفت الكتاب الانتباه إلى علاقة الطفل بالنجاح والفشل فالطفل الذي يعتقد أن قدرته ثابتة قد يفسر أي خطأ باعتباره دليلًا على أنه غير ذكي بينما الطفل الذي يرى التعلم باعتباره عملية مستمرة يستطيع التعامل مع الخطأ بصورة مختلفة، ولذلك فإن الطريقة التي يتحدث بها الكبار عن الذكاء والنجاح قد يكون لها أثر طويل في استعداد الطفل لخوض التجارب الجديدة.

وبمرور الصفحات، تتضح الرسالة الأساسية للكتاب: المدرسة لا ينبغي أن تكون مكانًا يتعلم فيه الطفل كيف يحصل على درجات فقط وإنما مكانًا يتعلم فيه كيف يفكر وكيف يطرح الأسئلة وكيف يتعامل مع عدم المعرفة وكيف يختبر أفكاره وكيف يستفيد من أخطائه، فالمعرفة التي لا تمنح الطفل قدرة على التفكير المستقل قد تنتهي بمجرد انتهاء الامتحان أما القدرة على التعلم فتظل معه طوال حياته.

وتزداد أهمية هذه الفكرة اليوم في عالم أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع تقريبًا، فلم تعد المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعلومة وإنما القدرة على فهمها والتحقق منها وربطها بمعلومات أخرى واستخدامها في مواقف جديدة، ومن هذه الزاوية تبدو أفكار هولت قابلة للنقاش حتى خارج المدرسة لأن الإنسان البالغ نفسه يمكن أن يتوقف عن التعلم إذا أصبح شديد الخوف من الخطأ أو شديد الاهتمام برأي الآخرين.

وفي النهاية، لا يقدم كيف يفشل الأطفال وصفة سحرية لإصلاح التعليم ولا يزعم أن كل فشل دراسي سببه المدرسة وحدها، لكنه يقدم شيئًا ربما يكون أكثر أهمية: طريقة مختلفة للنظر إلى الطفل الذي يفشل. فبدلًا من السؤال التقليدي لماذا لم يعرف الإجابة؟ يدفعنا الكتاب إلى سؤال آخر: ماذا حدث أثناء عملية التعلم وجعل الطفل غير قادر على الوصول إليها؟ وهذا التحول في السؤال قد يكون بداية حقيقية لفهم المشكلة.

خلاصة الكتاب في 10 نقاط:

1. الطفل يمتلك قدرة طبيعية على التعلم والاستكشاف، لكن هذه القدرة يمكن أن تتراجع تحت ضغط الخوف والملل والارتباك.

2. الفشل الدراسي لا يعني بالضرورة ضعف ذكاء الطفل، فقد يكون نتيجة لطريقة تعليم أو تقييم لا تساعده على إظهار قدراته الحقيقية.

3. الخوف من الخطأ قد يدفع الطفل إلى إخفاء جهله بدلًا من محاولة التغلب عليه.

4. بعض الأطفال يتعلمون كيف يرضون المعلم أو الوالد بدلًا من أن يتعلموا كيف يفكرون في المشكلة.

5. الإجابة الصحيحة لا تعني دائمًا وجود فهم حقيقي، فقد يصل الطفل إليها عن طريق الحفظ أو التخمين.

6. الخطأ يمكن أن يكون وسيلة أساسية للتعلم إذا شعر الطفل بالأمان الكافي لتحليله والاستفادة منه.

7. الملل الزائد قد يقتل الفضول، بينما الضغط الزائد قد يجعل الطفل منشغلًا بالخوف بدلًا من التفكير.

8. الاختبارات والدرجات يمكن أن تكون أدوات مفيدة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى الهدف الوحيد من التعليم.

9. دور المعلم لا يقتصر على نقل المعلومات، وإنما يشمل مساعدة الطفل على بناء طريقة مستقلة في التفكير.

10. التعليم الحقيقي لا يقاس فقط بما يعرفه الطفل الآن، وإنما بقدرته على الاستمرار في التعلم عندما يواجه شيئًا لا يعرفه.

الكلمة الأخيرة:

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: How Children Fail
المؤلف: John Holt
دار النشر: Delacorte Press / Seymour Lawrence
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة المنقحة
سنة النشر: 1982
عدد الصفحات: 298 صفحة
رقم الإيداع: LCCN 81019566
ISBN: 9780440038344

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *