تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة،
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
كيف يتحول فضول الطفل الطبيعي إلى قدرة حقيقية على التعلم؟
حين نتحدث عن تعليم الأطفال، غالبًا ما ينصرف التفكير مباشرة إلى المدرسة والكتب والواجبات والامتحانات، والدرجات، وكأن عملية التعلم تبدأ لحظة دخول الطفل إلى الفصل الدراسي، لكن كتاب الطفل المتعلم للباحثة والمربية الأمريكية دوروثي هـ. كوهين ينطلق من تصور مختلف؛ فالطفل لا يدخل المدرسة وهو صفحة بيضاء تنتظر أن يكتب عليها المعلم المعلومات وإنما يصل إليها وهو يحمل تاريخًا طويلًا من الملاحظة والتجربة والأسئلة ومحاولات فهم العالم المحيط به، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نعلم الطفل وإنما كيف نحافظ على قدرته الطبيعية على التعلم ونساعدها على النمو. وتصف دار النشر الكتاب بأنه عمل كلاسيكي في علم نفس النمو يعتمد على أفكار علم النفس النمائي وخبرة كوهين في كلية بانك ستريت للتربية ويركز على العلاقة بين التعلم ومراحل نمو الطفل وكيف يمكن تحويل غريزة الاستطلاع الطبيعية إلى قدرة على التعلم تستمر مدى الحياة.
ترى كوهين أن الطفل في سنواته الأولى لا يتعامل مع العالم باعتباره مجموعة من المعلومات المطلوب حفظها، وإنما باعتباره شيئًا يريد اكتشافه، فالطفل الصغير يسأل باستمرار ويلمس الأشياء، ويفككها ويحاول إعادة تركيبها ويقارن بينها ويبحث عن أسباب ما يراه، وقد تبدو بعض هذه التصرفات للكبار عشوائية أو بلا هدف لكنها في الحقيقة تمثل محاولات مبكرة لبناء المعرفة، ولذلك فإن التعامل مع الطفل باعتباره متلقيًا سلبيًا للمعلومات قد يؤدي إلى إضعاف واحدة من أهم أدوات التعلم لديه: الفضول.
وتؤكد الكاتبة أن فهم مراحل نمو الطفل ضروري قبل وضع التوقعات التعليمية الخاصة به، فالطفل في الخامسة ليس نسخة صغيرة من طفل في العاشرة ولكل مرحلة عمرية خصائصها العقلية والاجتماعية والانفعالية التي يجب أن تنعكس على طريقة التعليم، وتظهر فصول الكتاب هذا التدرج بوضوح إذ تنتقل كوهين من الحديث عن خصائص الطفل في الخامسة، إلى مرحلة رياض الأطفال ثم الأطفال في السادسة والسابعة وبعدها السنوات المتوسطة بين الثامنة والحادية عشرة مع تناول تطور القراءة والكتابة والرياضيات والعلاقة بين الطفل والأسرة والمدرسة.
ومن هنا تنتقد الكاتبة فكرة التعامل مع المناهج باعتبارها مقاسًا واحدًا يصلح لكل الأطفال، فالمنهج الذي قد يكون مناسبًا لطفل في مرحلة معينة ربما يصبح عبئًا على طفل آخر إذا قُدم في توقيت غير مناسب أو بطريقة لا تتوافق مع مستوى نموه، ولهذا فإن التعليم الجيد وفق الرؤية التي يقدمها الكتاب لا يعني فقط تحديد ما يجب أن يتعلمه الطفل وإنما تحديد متى وكيف ولماذا يتعلمه.
وتتوقف كوهين عند مرحلة رياض الأطفال باعتبارها مرحلة شديدة الأهمية لأنها تمثل الجسر بين التعلم الطبيعي داخل المنزل والتعلم المنظم داخل المدرسة، وفي هذه المرحلة لا ينبغي أن تتحول المدرسة إلى نسخة مصغرة من التعليم الرسمي القائم على الحفظ والاختبارات وإنما يجب أن تمنح الطفل مساحة للحركة واللعب والمناقشة والتجربة والتعامل مع الأشياء بصورة مباشرة، وتوضح المراجعات المعاصرة للكتاب أن الكاتبة رأت أن الطفل في الخامسة يحتاج إلى بيئة غنية بالأنشطة مثل المكعبات والأعمال اليدوية والنقاش بدلًا من الضغط المبكر عليه فيما يتجاوز استعداداته النمائية.
وهنا تظهر فكرة مهمة للغاية: التعلم ليس مجرد إضافة معلومات جديدة إلى عقل الطفل بل هو بناء تدريجي لطريقة في التفكير فعندما يكتشف الطفل بنفسه أن عددًا من الأشياء يمكن تقسيمه إلى مجموعات أو أن تغيير شيء ما يؤدي إلى نتيجة مختلفة فهو لا يتعلم معلومة منفردة فقط بل يبدأ في بناء مفهوم يمكنه استخدامه لاحقًا في مواقف جديدة، وهذا النوع من التعلم أكثر عمقًا من الحفظ المؤقت لأنه يجعل الطفل قادرًا على الربط والاستنتاج.
وتولي الكاتبة اهتمامًا واضحًا باللغة والقراءة والكتابة لكنها لا تنظر إليها باعتبارها مهارات منفصلة عن حياة الطفل فالقراءة في جوهرها وسيلة لفهم العالم والكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر ولذلك فإن تعليم الطفل هذه المهارات بمعزل عن معناها الحقيقي قد يحولها إلى تدريبات آلية، أما عندما يشعر الطفل بأن القراءة تفتح له عالمًا جديدًا وأن الكتابة تمنحه القدرة على التعبير فإن المهارة تصبح مرتبطة بهدف حقيقي وليس مجرد واجب مدرسي.
والأمر نفسه ينطبق على الرياضيات. فالأرقام والعمليات الحسابية لا ينبغي أن تقدم للطفل باعتبارها قواعد يجب حفظها فقط وإنما باعتبارها أدوات تساعده على فهم العلاقات والكميات والمشكلات التي يواجهها في الحياة، ولهذا يربط الكتاب بين المهارات الدراسية وبين الخبرات التي يعيشها الطفل لأن المعرفة تصبح أكثر رسوخًا عندما يستطيع الطفل اكتشاف فائدتها واستخدامها في سياق مفهوم بالنسبة إليه، ويظهر في فهرس الكتاب تخصيص فصول مستقلة لمعنى القراءة والكتابة والرياضيات وهو ما يعكس اهتمام كوهين بفهم المهارة قبل تحويلها إلى تدريب مدرسي.
كما يناقش الكتاب العلاقة بين الطفل ووالديه وهي علاقة لا تتوقف عند توفير الطعام والرعاية والحماية، فالأسرة تشكل البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى السؤال، ومعنى الحوار ومعنى الاستقلال، وكيفية التعامل مع الآخرين ولذلك فإن طريقة الوالدين في الرد على أسئلة الطفل يمكن أن تكون جزءًا من العملية التعليمية نفسها، عندما يجد الطفل أن سؤاله مرحب به يصبح أكثر استعدادًا للسؤال مرة أخرى أما إذا ارتبط السؤال بالسخرية أو التجاهل فقد يبدأ تدريجيًا في كتم فضوله.
وتلفت كوهين الانتباه كذلك إلى أن استقلال الطفل يتغير مع تقدمه في العمر، ففي السنوات الأولى يحتاج إلى قدر كبير من المساعدة والتوجيه ثم يبدأ تدريجيًا في تكوين عالمه الخاص وعلاقاته مع أقرانه واهتماماته وأسئلته، ومن الخطأ أن تستمر الأسرة في معاملته بالطريقة نفسها التي كانت تستخدمها عندما كان أصغر سنًا لأن التربية الناجحة تحتاج إلى أن تتطور مع تطور الطفل.
ومن الأفكار المهمة في الكتاب أيضًا أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن المجتمع فالطفل يتأثر بما يراه في المنزل وما يسمعه في المدرسة وما يراه في الشارع ووسائل الإعلام وما يتعلمه من أقرانه، ولذلك فإن العملية التعليمية ليست مجرد علاقة بين معلم وتلميذ وإنما هي شبكة واسعة من العلاقات والخبرات وتشير فصول الكتاب الأخيرة إلى الانتقال من البيت إلى المدرسة والمجتمع وهو ما يعكس رؤية الكاتبة للتعليم باعتباره تجربة اجتماعية وليست عملية أكاديمية منفصلة.
واللافت أن الكتاب، رغم صدوره للمرة الأولى عام 1972 يظل قابلًا للنقاش في وقتنا الحالي؛ لأن القضية التي يتناولها لا تتعلق فقط بطريقة تدريس مادة معينة وإنما بسؤال أوسع حول نظرتنا إلى الطفل نفسه هل نراه مشروع طالب يجب أن يحصل على أعلى الدرجات أم إنسانًا في مرحلة تكوين يحتاج إلى اكتشاف العالم وبناء شخصيته وقدرته على التفكير؟ وتؤكد المصادر أن الكتاب أعيد نشره عام 1988، وأنه ظل حاضرًا في مجال التربية وعلم نفس الطفل بوصفه عملًا مرجعيًا مهمًا.
وفي النهاية لا تدعو كوهين إلى إلغاء المدرسة أو التخلي عن المناهج وإنما تدعو إلى جعل التعليم أكثر اتصالًا بطبيعة الطفل ونموه، فالهدف ليس أن نملأ عقل الطفل بأكبر قدر ممكن من المعلومات في أقصر وقت بل أن نساعده على تكوين علاقة صحية مع المعرفة وأن يظل قادرًا على السؤال والاستكشاف والتجربة حتى بعد أن تنتهي سنوات الدراسة.
ومن أبرز الأفكار التي يمكن الخروج بها من الكتاب:
1. الطفل يمتلك استعدادًا طبيعيًا للتعلم قبل دخوله المدرسة.
2. الفضول والأسئلة أدوات أساسية في بناء المعرفة.
3. لكل مرحلة عمرية خصائص يجب أن تنعكس على طريقة التعليم.
4. التعليم الجيد يراعي استعداد الطفل بدلًا من فرض متطلبات غير مناسبة لعمره.
5. اللعب والتجربة والمناقشة يمكن أن تكون وسائل تعليمية حقيقية.
6. القراءة والكتابة والرياضيات تصبح أكثر قيمة عندما ترتبط بالحياة والمعنى.
7. الأسرة هي البيئة التعليمية الأولى التي يتشكل فيها فضول الطفل.
8. استقلال الطفل ينمو تدريجيًا ويحتاج إلى مساحة مناسبة من الحرية.
9. المدرسة جزء من المجتمع وليست مؤسسة منفصلة عن حياة الطفل.
10. الهدف الأهم من التعليم هو بناء قدرة تستمر مع الإنسان، لا مجرد تحصيل درجات.
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: The Learning Child: Guidelines for Parents and Teachers
المؤلف: Dorothy H. Cohen
دار النشر: Schocken Books
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: إعادة طبع، طبعة 1988
سنة النشر: 1988
عدد الصفحات: 388 صفحة
رقم الإيداع: LCCN 87042993
ISBN: 9780805208566
هذه البيانات تخص إصدار عام 1988 الذي توثقه دار النشر Penguin Random House، وتؤكد بيانات Google Books أنه إصدار مصور معاد الطبع صادر عن Knopf Doubleday Publishing Group في 12 أبريل 1988، بينما تسجل مكتبة الكونجرس رقم ISBN نفسه لهذا الإصدار.







