قراءة في كتاب «Thinking in Bets».. كيف تتخذ قرارات أفضل في عالم لا يمكن التنبؤ به؟

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

كيفية تقييم القرارات

تطرح آني ديوك في «التفكير في الرهانات – Thinking in Bets» طريقة مختلفة للتعامل مع القرارات في عالم لا يمكن التنبؤ به بالكامل.

فنتيجة القرار الجيد لا تعني بالضرورة أن القرار نفسه كان صحيحًا، ونتيجة القرار السيئ لا تعني دائمًا أن التفكير كان خاطئًا.

لذلك تدعو الكاتبة إلى تقييم القرارات بناءً على جودة المعلومات والمنطق المستخدم عند اتخاذها، وليس على النتيجة وحدها.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

ينطلق الكتاب من مشكلة شائعة في التفكير البشري: نحن نميل إلى تفسير الأحداث بعد وقوعها وكأن نتائجها كانت واضحة منذ البداية.

فإذا نجح قرار ما، نعتبره دليلًا على صواب صاحبه، وإذا فشل، نعتبره دليلًا على الخطأ. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ لأن القرارات تحدث وسط احتمالات ومعلومات ناقصة وعوامل لا يمكن التحكم فيها.

لعبة البوكر وعلاقتها باتخاذ القرار

تستخدم ديوك لعبة البوكر كنموذج لفهم الحياة، ليس لأن الحياة لعبة، وإنما لأن البوكر يجمع بين المهارة والحظ والمعلومات الناقصة.

لا يعرف اللاعب الجيد النتيجة مسبقًا، لكنه يستطيع اتخاذ قرار أفضل بناءً على الاحتمالات المتاحة، وهذا يشبه القرارات المهنية والمالية والشخصية التي نتخذها يوميًا.

وتدعو الكاتبة إلى الفصل بين جودة القرار وجودة النتيجة، قد يتخذ شخص قرارًا ممتازًا بناءً على المعلومات المتاحة ثم تحدث نتيجة سيئة بسبب ظرف غير متوقع.

وفي المقابل، قد يتخذ شخص قرارًا ضعيفًا لكنه ينجح بالمصادفة؛ لذلك فإن الحكم على القرارات من خلال النتائج فقط قد يؤدي إلى تعلم الدروس الخطأ.

التفكير بالاحتمالات

ومن الأدوات المهمة التي يقترحها الكتاب التفكير بالاحتمالات، بدل قول «سيحدث هذا بالتأكيد»، يمكن أن نسأل: ما احتمال حدوثه؟ وما المعلومات التي قد تغير تقديرنا؟ هذا الأسلوب يجعل التفكير أكثر مرونة ويقلل الثقة الزائدة.

كما تشجع ديوك على تبني موقف يشبه “الرهان”، فعندما نعتقد أن شيئًا ما صحيح، يمكننا أن نسأل أنفسنا: هل أنا مستعد للمراهنة عليه؟ وإذا لم نكن مستعدين، فقد يكون ذلك مؤشرًا على أن ثقتنا أكبر من الأدلة المتاحة.

ويولي الكتاب أهمية كبيرة لما تسميه “البيئة الاجتماعية للتفكير”، فالإنسان يحتاج إلى أشخاص يستطيعون تحدي أفكاره دون أن يتحول النقاش إلى هجوم شخصي. وجود مجموعة تساعد على اكتشاف الأخطاء والتحيزات يمكن أن يحسن القرارات، بشرط أن يكون الهدف هو الوصول إلى الحقيقة وليس إثبات التفوق.

استخدام التوقعات

ويركز الكتاب كذلك على خطر التحيز التأكيدي، فنحن نميل إلى البحث عن الأدلة التي تدعم ما نعتقده، وتجاهل المعلومات التي تناقضه.

لذلك يجب أن نسأل أنفسنا: ما الذي يمكن أن يثبت أنني مخطئ؟ وما المعلومات التي قد تجعلني أغير رأيي؟

ومن الأفكار المهمة أيضًا استخدام «التوقعات» قبل اتخاذ القرار، إذا حددنا مسبقًا ما نتوقع حدوثه، يمكننا لاحقًا مقارنة الواقع بتوقعاتنا ومعرفة أين أخطأنا.

أما إذا انتظرنا النتيجة ثم اخترعنا تفسيرًا لها، فقد نقع في فخ إعادة كتابة الماضي بما يتوافق مع ما حدث.

خلاصة الكتاب في نقاط

  • النتيجة الجيدة لا تعني دائمًا أن القرار كان جيدًا.
  • النتيجة السيئة لا تثبت بالضرورة أن القرار كان خاطئًا.
  • تعامل مع القرارات باعتبارها احتمالات.
  • تجنب الثقة المفرطة في توقعاتك.
  • ابحث عن المعلومات التي يمكن أن تثبت خطأك.
  • افصل بين الحظ والمهارة عند تقييم النتائج.
  • استخدم أشخاصًا يساعدونك على اكتشاف تحيزاتك.
  • حدد توقعاتك قبل ظهور النتائج.
  • حدّث تقديراتك عندما تظهر معلومات جديدة.
  • قيّم طريقة التفكير قبل الحكم على النتيجة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المديرين والمستثمرين ورواد الأعمال والباحثين وكل من يتخذ قرارات في ظل عدم اليقين.

كما يفيد الصحفيين والمحللين وصناع القرار؛ لأن كثيرًا من العمل التحليلي يعتمد على تقييم احتمالات لا يمكن ضمانها.

نقاط القوة

قوة الكتاب في أنه يعيد تعريف مفهوم القرار الجيد بطريقة عملية، كما أن استخدام تجربة البوكر يجعل مفاهيم الاحتمالات والتحيزات أكثر وضوحًا، ويمنح القارئ طريقة قابلة للتطبيق في مواقف الحياة اليومية.

نقاط الضعف

قد يجد بعض القراء أن الاستعانة بالبوكر كمثال متكرر تجعل بعض الأفكار تبدو مرتبطة أكثر مما ينبغي بعالم الألعاب. كما أن التفكير الاحتمالي، رغم أهميته، لا يستطيع وحده حل القرارات التي تتضمن قيمًا أخلاقية أو عاطفية معقدة.

ملاحظات يمكن مناقشتها

الكتاب يطرح سؤالًا مهمًا: إذا كانت النتائج لا تكفي للحكم على القرار، فكيف نقيس جودة القرار؟ ربما تكون الإجابة في جودة المعلومات المتاحة، والافتراضات التي بُني عليها القرار، والبدائل التي جرى التفكير فيها، والاستعداد لتعديل الموقف عند ظهور أدلة جديدة.

وهذه طريقة تفكير يمكن أن تكون مفيدة جدًا في العمل والتحليل الاقتصادي والاستثماري.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلفة وناشرها، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: التفكير في الرهانات – Thinking in Bets: Making Smarter Decisions When You Don’t Have All the Facts

المؤلف: آني ديوك – Annie Duke

دار النشر: Portfolio

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى – Hardcover

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 288 صفحة

ISBN: 978073521635

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *