تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يقدم كتاب “فن إدارة المواقف” للكاتب والمفكر محمد بن عبدالله الفريح رؤية تطبيقية عميقة تجمع بين الفكر الإداري المعاصر والحكمة الإنسانية المستمدة من التجارب الميدانية والحياتية.
وتكمن أهمية الكتاب في كونه يسعى إلى صياغة منهج ذكي وسلس لصناعة القرار السليم وتجاوز المتغيرات والأزمات اليومية، سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي؛ فهو لا يكتفي بطرح النظريات الأكاديمية الجافة، بل يغوص في جوهر السلوك الإنساني، معتمداً على استخلاص العبر من مواقف حقيقية مر بها القادة والعظماء وعامة الناس، ليعيد تقديمها كدروس عملية قابلة للتطبيق والممارسة.
وجاء هذا الكتاب استجابةً لخلل واضح يشهده الواقع المعاصر، وهو العجز المتكرر لدى الكثير من الأفراد والمؤسسات عن التفكير المنظم وحسن التصرف إبان الحوادث الطارئة أو الضغوط المفاجئة.
ويلاحظ الكاتب أن الغالبية العظمى تتقن إدارة الظروف المعتادة والاستجابة للروتين اليومي، لكنها ترتبك وتفقد بوصلة اتخاذ القرار بمجرد اصطدامها بموقف غير متوقع أو أزمة مركبة.
من هنا، انبثق الدافع الأساسي للمؤلف وهو معالجة ظاهرة التسرع والارتباك الإداري والنفسي، وتحويل الإخفاقات والتجارب البشرية التاريخية والواقعية إلى مخزون استراتيجي ومعرفي. أراد الكاتب تقديم دليل عملي يكسب القارئ الحكمة الموقفية والذكاء الاجتماعي، مما يمكنه من امتلاك رباطة الجأش وسرعة البديهة والقدرة على تحليل المعطيات المعقدة قبل الإقدام على التصرف، وبالتالي تقليل الكلفة النفسية والمالية والإدارية الناجمة عن قرارات ردود الأفعال العشوائية.
وتتضمن خلاصة الكتاب في أن الموقف هو المحك الحقيقي للمبادئ، حيث يظهر الكتاب أن القيم والمبادئ النظرية تجد اختبارها الواقعي لحظة انغماس الفرد في الأزمة، فالإدارة الناجحة لا تبدأ من السيطرة على الآخرين، بل من ضبط النفس والتحكم بالانفعالات الذاتية أولاً، والتركيز على مسار الحل بدلاً من المشكلة، مما يتطلب التفكير الإداري الرشيد توجيه الطاقة الذهنية ونشاط العقل نحو ابتكار الحلول، وعدم الغرق في تداعيات المشكلة أو البكاء على الأخطاء الماضية، وهو ما يوفر الوقت والجهد في اللحظات الحاشرة.
كما يتلخص الكتاب في أن التجربة الميدانية هي أسرع طريق للحكمة، حيث تعتبر قراءة تجارب الآخرين وتأمل سِيَرهم وسيلة خالية من المخاطر لاكتساب دراية وافية بالإدارة؛ فهي تمنح القارئ نضجاً مبكراً يجنبه الوقوع في الفخاخ التي سقط فيها غيره، والتفوق الكاسح للذكاء العاطفي والمرونة قد تحمي المؤهلات العلمية والنظرية مكانة الفرد، لكن الذكاء العاطفي وسرعة البديهة والقدرة على قراءة الوجوه ولغة الجسد هي الأدوات الحاسمة في إدارة المواقف الحرجة وتفكيك الاحتقان.
وتعود معظم النزاعات الإدارية والحياتية إلى سوء الفهم وسرعة إطلاق الأحكام. إن قدرة القائد على وضع نفسه مكان الآخرين تمنحه عمقاً ونفاذاً لاحتواء الأزمة قبل تفاقمها.
ويشير الكاتب إلى أن التعامل مع الأزمات الضخمة ككتلة واحدة يؤدي إلى الشلل الفكري، بينما يؤدي تقسيم المشكلة الكبيرة إلى عناصر أصغر إلى تسهيل معالجتها خطوة بخطوة، ولا تتطلب الحكمة الإدارية معارك كبيرة دائماً؛ فالمواقف اليومية العابرة والملاحظات العادية قد تحمل في طياتها مفاهيم قيادية أعمق وأبقى من أعتى المراجع والأدبيات النظرية.
ويعد التصلب في الرأي والجمود الإداري الوصفة المثالية للفشل في عالم متسارع؛ فالقدرة على تعديل الخطة والحياد عن المسار التقليدي وفق متطلبات الموقف هي سمة الإداري الفذ، و ينفي الكتاب أسطورة أن القيادة وحسن التدبير مهارات جينية حصرية، بل يؤكد على أنها ملكات تُبنى بالتعلم المستمر، والتفكر الواعي، والممارسة الدؤوبة لتجارب الحياة.
ووفق الكتاب أنه لا يوجد مجتمع أو مؤسسة خالياً من الأزمات والتعثرات، لذا فإن النجاح الحقيقي ينعكس في كيفية امتصاص الصدمات، والخروج من الأزمات بأقل قدر ممكن من الخسائر مع تعظيم الفوائد والدروس المستفادة.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلفة وناشرها، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: فن إدارة المواقف
المؤلف: محمد بن عبدالله بن محمد الفريح
دار النشر: العبيكان للنشر
بلد النشر: المملكة العربية السعودية
الطبعة: الطبعة الثانية
سنة النشر: 2012
عدد الصفحات: 320 صفحة
رقم الإيداع: 1433/5890
ISBN: 9786035039628







