تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يعد كتاب أثر التوقعات للكاتب ديفيد روبنسون، في ظاهره، عبارة عن فكرة بسيطة نعرفها جميعا أن ما نتوقعه يؤثر في الطريقة التي نعيش بها الأشياء، لكن قيمة الكتاب لا تأتي من هذه الفكرة في حد ذاتها، فهي ليست جديدة، وإنما من محاولة النظر إليها بصورة أكثر جدية، بعيدًا عن الشعارات السهلة التي تختزل العلاقة بين العقل والجسد في جملة من نوع فكر بإيجابية وستتغير حياتك.
الكتاب يتحرك في مساحة أكثر تعقيدًا، مساحة يحاول فيها أن يفهم ماذا يحدث عندما لا نكتفي باستقبال الواقع، وإنما ندخله ونحن نحمل في أذهاننا تصورا مسبقا عما سيحدث.
التوقعات جزء خفي من حياتنا اليومية، فنحن لا ننتظر الأشياء فقط، بل نذهب إليها ونحن نعتقد أننا نعرف تقريبًا كيف ستكون، فنحن ندخل مقابلة عمل ونحن نتوقع القبول أو الرفض، نذهب إلى الطبيب ونحن نحمل في داخلنا خوفًا من نتيجة معينة، نبدأ تجربة جديدة ونحن مقتنعون مسبقًا بأننا لن ننجح فيها، ونستيقظ أحيانًا ونحن نتوقع أن يكون اليوم سيئًا قبل أن يحدث فيه شيء يستحق هذا الحكم.
هذه التوقعات قد تبدو غير مهمة، لكنها تستطيع أن تغير طريقة انتباهنا لما يحدث، وما نلاحظه، وما نتجاهله، وكيف نفسر تصرفات الآخرين، وحتى الطريقة التي نتصرف بها نحن أنفسنا.
وهنا يضع الكتاب القارئ أمام مفارقة تستحق التأمل، هل يمكن أن نكون أحيانا جزءا من صناعة النتيجة التي كنا نتوقعها، الشخص الذي يدخل تجربة وهو مقتنع بالفشل قد لا يمنح نفسه الفرصة الكاملة للنجاح، قد يتردد أكثر، أو ينسحب سريعًا، أو يفسر الخطأ الأول باعتباره دليلًا على أن توقعه كان صحيحًا، وبعد انتهاء التجربة يقول لنفسه كنت أعرف أنني سأفشل، لكنه لا يتوقف ليسأل هل كنت أعرف فعلًا، أم أنني تصرفت طوال الوقت كما لو أن الفشل أمر محسوم.
هذه النقطة تحديدا تجعل الكتاب أكثر إثارة من كتب التحفيز التقليدية، فالتوقع ليس مجرد فكرة تجلس في الرأس، وإنما يمكن أن يتحول إلى سلوك، وما نعتقد أنه سيحدث قد يحدد استعدادنا النفسي، وطريقة تعاملنا مع الموقف، ودرجة انتباهنا، ومقدار الجهد الذي نبذله، ولذلك قد تتحول بعض التوقعات إلى دائرة مغلقة، نتوقع شيئًا، نتصرف على أساس أننا نتوقعه، ثم تأتي النتيجة لتمنحنا إحساسًا بأن توقعنا كان صحيحًا من البداية.
لكن الكتاب لا يتوقف عند السلوك، بل يذهب إلى العلاقة الأكثر تعقيدًا بين التوقعات والجسد، وهذه من المناطق التي تحتاج إلى قراءة متأنية، لأن الحديث عن تأثير العقل في الجسم كثيرًا ما يقع ضحية المبالغة، ليس المقصود أن الإنسان يستطيع بمجرد التفكير أن يلغي مرضًا أو يغير حقيقة جسدية أو يتجاوز ظروفًا خارجة عن إرادته، الفكرة أكثر دقة من ذلك، فالحالة النفسية والتوقعات وطريقة تفسير الإنسان لما يحدث له يمكن أن تدخل في الطريقة التي يستجيب بها جسمه لبعض التجارب، خصوصا في مجالات مثل الألم، والضغط النفسي، والنوم، والأداء.
ومن أكثر الأفكار التي تجعل الموضوع مثيرًا للتفكير تلك المرتبطة بتأثير الدواء الوهمي، فمجرد اعتقاد الإنسان أن شيئا ما سيساعده يمكن أن يرتبط أحيانًا بتغير حقيقي في تجربته للأعراض، وهذا لا يعني أن المرض وهم، ولا أن العلاج غير ضروري، وإنما يوضح أن التجربة الإنسانية أكثر تركيبًا مما نتصور، وأن الدماغ والجسم لا يعملان في عالمين منفصلين تمامًا، الطريقة التي نفسر بها ما يحدث لنا قد تدخل في الطريقة التي نشعر بها به.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التوقعات في الحياة اليومية. عندما يقتنع شخص بأن قلة النوم ستجعله عاجزًا عن أداء أي شيء في اليوم التالي، فقد يدخل يومه وهو يراقب كل علامة تعب، وكل لحظة شرود، وكل انخفاض في التركيز، فيصبح التعب أكثر حضورًا في وعيه، بينما قد يتعامل شخص آخر مع ليلة سيئة باعتبارها ليلة سيئة فقط، ويقرر أن يؤدي ما يستطيع ثم يعود إلى نومه الطبيعي في الليلة التالية، وذلك لا يعني ذلك أن الشخص الثاني لن يشعر بالتعب، وإنما أن طريقة تفسير التجربة يمكن أن تغير حجمها النفسي وتأثيرها عليه.
والأمر نفسه ينطبق على الضغط، هناك فرق بين أن يرى الإنسان الضغط باعتباره دليلًا على أنه غير قادر، وبين أن يراه باعتباره استجابة طبيعية لموقف يتطلب منه التركيز، الاختلاف في التفسير لا يلغي صعوبة الموقف، لكنه قد يغير الطريقة التي يدخل بها الإنسان إليه، وهنا تبدو أهمية الكتاب في أنه يدفعنا إلى مراجعة بعض الأفكار التي نكررها عن أنفسنا حتى أصبحت جزءًا من تعريفنا لها.
وفي واحدة من أكثر النقاط الإنسانية في الكتاب، بعض القيود التي نعيش داخلها ليست دائمًا قيودًا خارجية، بل تصورات تكونت بمرور الوقت ثم أصبحت تبدو وكأنها حقائق نهائية، فقد يكون الإنسان قد تعرض للفشل عدة مرات، فبدأ يتوقع الفشل في كل مرة، وقد يكون تعرض للنقد كثيرًا، فأصبح يتوقع الرفض حتى قبل أن يتحدث، وقد تكون تجربة واحدة مؤلمة جعلته يضع قاعدة عامة على حياته كلها، ولكن المشكلة أن العقل يحب القواعد المختصرة، لأنها تمنحه شعورًا بالأمان.
ومع ذلك، فإن الكتاب يصبح أقل إقناعا إذا قرأناه باعتباره دعوة إلى تحميل الإنسان مسؤولية كل ما يحدث له، وهذه نقطة مهمة جدا في أي قراءة نقدية للكتاب، ليس كل ما يحدث لنا نتيجة لتوقعاتنا، فهناك أمراض حقيقية، وظروف اقتصادية قاسية، وعلاقات مؤذية، وفرص غير متكافئة، وحوادث لا علاقة لنا بها، وخسارات لا يمكن تفسيرها بعقلية صاحبها.
ومن الخطأ أن نقول لشخص يعاني إن مشكلته ببساطة أنه يفكر بطريقة سلبية، مثل هذا التفسير قد يكون قاسيًا بقدر ما هو سطحي.
قوة فكرة التوقعات تظهر عندما نستخدمها في المنطقة التي نستطيع التأثير فيها، لا عندما نحولها إلى تفسير شامل للحياة، فيمكنني أن أراجع الطريقة التي أدخل بها إلى مقابلة عمل، لكن لا أستطيع أن أضمن أن صاحب العمل سيقبلني، يمكنني أن أتعامل مع تجربة فشل باعتبارها تجربة محددة، لكن لا أستطيع أن أضمن النجاح في المحاولة التالية. يمكنني أن أغير الطريقة التي أتعامل بها مع الضغط، لكن هذا لا يعني أن الظروف الضاغطة ستختفي، هذه المسافة بين التأثير والسيطرة مهمة جدًا لفهم الكتاب بشكل صحيح.
ومن هذه الزاوية يصبح عنوان أثر التوقعات أوسع من مجرد الحديث عن التفكير الإيجابي، إنه سؤال عن الطريقة التي نبني بها علاقتنا بالمستقبل، نحن لا نملك المستقبل، لكننا ندخله دائمًا محملين بتصورات عنه، وهذه التصورات يمكن أن تجعلنا أكثر استعدادا، أو أكثر خوفا، أكثر جرأة، أو أكثر تحفظًا، وقد تجعلنا نرى فرصة لم نكن لنراها لو دخلنا التجربة ونحن مقتنعون بأنها خاسرة.
أثر التوقعات في النهاية ليس كتابًا عن امتلاك المستقبل، وإنما عن الطريقة التي ندخل بها إليه، فهو لا يعدنا بأن الحياة ستستجيب لما نريد، لكنه يلفت النظر إلى شيء يمكن أن ننساه وسط الضغوط اليومية أننا لا نملك التحكم الكامل في الأحداث، لكن لدينا مساحة، ولو محدودة، في طريقة استقبالها وتفسيرها والتصرف بعدها، وفي هذه المساحة الصغيرة يمكن أن يبدأ تغيير حقيقي، ليس لأنه سحري، وإنما لأن الإنسان عندما يغير طريقة رؤيته لنفسه قد يبدأ في اتخاذ قرارات مختلفة، والقرارات المختلفة تصنع مع الوقت نتائج مختلفة.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
اسم الكتاب : The Expectation Effect: How Your Mindset Can Transform Your Life
العنوان بالعربية: أثر التوقعات: كيف يمكن لعقليتك تغيير حياتك
المؤلف: ديفيد روبسون
جنسية المؤلف: بريطاني
الناشر الأصلي: Canongate Books
بلد النشر: المملكة المتحدة
مكان النشر: إدنبرة
سنة النشر: 2022
الطبعة الأصلية: الطبعة الإنجليزية الأولى – Hardback
عدد الصفحات: 304 صفحات
ISBN: 9781838853266







