سيطر على شعورك قبل أن يسيطر عليك

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة ، وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، هنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

ينطلق كتاب”كن أقوى من مشاعرك”للكاتب”باتريك كينغ”من حقيقة يواجهها الإنسان كل يوم؛ وهي أن المشاعر تستطيع في لحظة واحدة أن تغير طريقة التفكير وتدفع إلى قرارات ربما يندم عليها صاحبها لاحقا.

لكن الكاتب لا يدعو الإنسان إلى التخلص من مشاعره أو التعامل معها باعتبارها نقطة ضعف، بل يحاول أن يفرق بين الشعور وبين التصرف الناتج عنه.

فالإنسان قد يغضب لكنه لا يحتاج إلى أن يتصرف بعنف، وقد يشعر بالخوف دون أن يسمح له بمنعه من اتخاذ خطوة ضرورية، وقد يمر بالحزن دون أن يجعل هذا الحزن تعريفا دائما لحياته.

ومن هنا تصبح القوة العاطفية في رؤية المشاعر وفهمها ثم اختيار طريقة التعامل معها بدلا من الاستجابة لها بصورة تلقائية.

يركز الكتاب على مشكلة تتكرر في حياة كثير من الناس، وهي الاعتقاد بأن المشاعر شيء يحدث لهم ولا يملكون أمامه سوى الاستسلام، فالغضب يتحول إلى كلمات مؤذية والقلق يتحول إلى تردد والخوف يتحول إلى انسحاب والحزن قد يتحول إلى عزلة.

ويحاول المؤلف أن يقدم للقارئ أدوات تساعده على إنشاء مساحة بين الشعور ورد الفعل؛ ففي هذه المساحة الصغيرة يستطيع الإنسان أن يفكر ويفهم ما يحدث داخله، ويقرر ما إذا كان ما يشعر به يحتاج إلى تصرف أم إلى انتظار أم إلى إعادة تقييم للموقف.

والهدف ليس صناعة إنسان لا يتأثر بشيء، وإنما إنسان أكثر قدرة على قيادة نفسه عندما تصبح مشاعره قوية.

المشاعر معلومات وليست أوامر:

من الأفكار الأساسية أن الشعور يحمل رسالة لكنه لا يقدم بالضرورة القرار الصحيح، فالخوف قد ينبه الإنسان إلى خطر حقيقي، لكنه قد يظهر أيضا أمام تجربة جديدة لا تحمل خطرا فعليا.

والغضب قد يكشف عن تجاوز للحدود لكنه قد يكون نتيجة تفسير متسرع لموقف ما، ولهذا تصبح الخطوة الأولى هي ملاحظة الشعور وفهم سببه قبل التحرك بناء عليه.

وعندما يتعلم الإنسان الفصل بين ما يشعر به وما يجب أن يفعله، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات هادئة.

تسمية المشاعر تساعد على إدارتها:

كثير من الناس يعرفون أنهم يشعرون بالسوء لكنهم لا يستطيعون تحديد طبيعة هذا الشعور، وقد يصف الإنسان نفسه بأنه غاضب، بينما يكون في الحقيقة محبطا أو خائفا أو يشعر بالرفض.

والتمييز بين هذه الحالات مهم لأن التعامل مع كل واحدة منها يختلف، ولهذا يدفع الكتاب القارئ إلى زيادة وعيه بما يحدث داخله وعدم الاكتفاء بوصف عام للمشاعر.

فكلما استطاع الإنسان تحديد ما يشعر به أصبح أقدر على فهم احتياجاته واختيار استجابة مناسبة.

لا تحارب كل شعور سلبي:

يطرح الكتاب رؤية تقوم على أن المشاعر غير المريحة ليست دائما شيئا يجب القضاء عليه فورا؛ فمحاولة الهروب المستمر من الحزن أو الخوف أو القلق قد تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاهها.

والبديل هو تعلم تحمل وجود الشعور لبعض الوقت دون تضخيمه أو اتخاذ قرارات متسرعة بسببه، وهنا تتحول القوة من محاولة التحكم الكامل فيما يشعر به الإنسان إلى التحكم في الطريقة التي يستجيب بها لما يشعر به.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

المشاعر جزء طبيعي من التجربة الإنسانية والقوة لا تعني التخلص منها بل تعلم إدارتها.

الشعور ليس أمرا يجب تنفيذه بل معلومة يمكن فهمها قبل اختيار التصرف المناسب.

تحديد اسم الشعور بدقة يساعد الإنسان على اكتشاف سببه والتعامل معه بصورة أفضل.

وجود المشاعر السلبية لا يعني أن هناك خطأ في الإنسان؛ بل إن طريقة الاستجابة لها هي التي تصنع الفارق

التوقف قبل رد الفعل، يمنح العقل فرصة لفهم الموقف بعيدا عن الاندفاع.

الأفكار والمشاعر تؤثر كل منهما في الأخرى، ولذلك فإن تغيير طريقة التفكير قد يغير شدة الاستجابة العاطفية.

محاولة الهروب الدائم من المشاعر المزعجة قد تزيد من قوتها بدلا من إنهائها.

الوعي بالمحفزات يساعد الإنسان على توقع انفعالاته والاستعداد للتعامل معها.

المرونة العاطفية تنمو بالممارسة ولا تتحقق بقرار واحد.

السيطرة الحقيقية ليست ألا تشعر بل ألا تسمح لكل شعور بأن يقرر نيابة عنك.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يناسب الكتاب الأشخاص الذين يشعرون بأن الغضب أو القلق أو الخوف يؤثر بصورة كبيرة في قراراتهم اليومية.

كما يناسب من يجدون صعوبة في فهم ما يشعرون به، أو يميلون إلى اتخاذ قرارات سريعة أثناء الانفعال، ثم يندمون عليها.

ويستفيد منه أيضا من يريد بناء قدر أكبر من الوعي الذاتي والمرونة في التعامل مع الضغوط والمواقف الصعبة.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

يتميز الكتاب بأنه لا يقدم المشاعر باعتبارها عدوا يجب الانتصار عليه؛ بل جزءا من الإنسان يحتاج إلى الفهم والإدارة.

كما يحاول تحويل الأفكار المتعلقة بالذكاء العاطفي إلى أدوات يمكن استخدامها في الحياة اليومية.

ومن نقاط قوته التركيز على المسافة بين الشعور والتصرف، وهي مساحة صغيرة لكنها قد تغير نتيجة كثير من المواقف.

كما يساعد القارئ على فهم أن السيطرة على الذات لا تعني قمع المشاعر، وإنما اختيار الاستجابة المناسبة لها.

قد يجد بعض القراء أن عددا من الأفكار مألوف لمن سبق لهم القراءة في الذكاء العاطفي وتنظيم المشاعر.

كما أن بعض الأدوات تحتاج إلى ممارسة مستمرة، حتى تظهر نتائجها ولا يكفي فهمها نظريا.

ولا يمكن التعامل مع الكتاب باعتباره بديلا عن العلاج النفسي في الحالات التي تتجاوز الضغوط والانفعالات اليومية وتحتاج إلى تدخل متخصص.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

يفتح الكتاب مساحة مهمة للنقاش حول معنى القوة النفسية.

فالثقافة الشائعة تربط القوة أحيانا بعدم إظهار الحزن أو الخوف، بينما يقدم الكتاب تصورا مختلفا يرى أن القوة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالشعور وفهمه، دون أن يصبح هو المتحكم في السلوك.

كما يلفت الانتباه إلى أن الإنسان لا يستطيع دائما اختيار مشاعره الأولى، لكنه يستطيع تطوير قدرته على اختيار ما سيفعله بعدها.

وهنا تتحول إدارة المشاعر من محاولة مستحيلة للسيطرة على كل ما يحدث داخل النفس، إلى مهارة يومية تقوم على الوعي والتدريب.

في النهاية عندما تطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة، أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “كن أقوى من مشاعرك”

العنوان الأصلي Master Your Emotions

المؤلف: “باتريك كينغ”

ترجمة منة مرتضى

دار النشر دار دون للنشر والتوزيع

سنة النشر العربية ٢٠٢٣

عدد الصفحات ١٧٦ صفحة

رقم الكتاب الدولي ISBN 9789778063264

رقم الإيداع لم أتمكن من التحقق منه

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *