تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
لماذا نفعل كل شيء ولا ننجز ما يهم؟
لماذا يبدو الإنسان مشغولاً طوال الوقت بينما يشعر في داخله أنه لا ينجز ما يستحق كل هذا الجهد؟ هذا السؤال يقف في قلب كتاب «الأساسياتية» للكاتب جريج ماكيون الذي يحاول إعادة النظر في الطريقة التي نختار بها أعمالنا والتزاماتنا وأهدافنا الكتاب لا يدعو إلى الكسل ولا إلى التخلي عن الطموح، وإنما يقترح فلسفة مختلفة تقوم على إدراك أن الوقت والطاقة والاهتمام موارد محدودة، وأن إنفاقها على كل شيء يعني في الحقيقة عدم منح الأشياء المهمة ما تستحقه من تركيز.
كثرة الخيارات قد تكون المشكلة
يرى ماكيون أن المشكلة الأساسية التي يعيشها الإنسان الحديث ليست دائماً قلة الفرص، وإنما كثرتها العالم يفتح أمامنا أبواباً لا تنتهي، ويقدم لنا مطالب جديدة باستمرار، ويجعل الرفض يبدو وكأنه تقصير تجاه الآخرين ومع مرور الوقت يجد الإنسان نفسه ينتقل من مهمة إلى أخرى، ومن موعد إلى آخر، ومن مشروع إلى آخر دون أن يسأل السؤال الأهم: هل هذه الأشياء تستحق فعلاً ما أدفعه من وقت وطاقة؟ الفكرة الجوهرية في الأساسياتية تبدأ من استعادة حق الاختيار، فالإنسان ليس مضطراً إلى الاستجابة لكل طلب، وليس ملزماً بتحويل كل فرصة إلى التزام، وليس كل ما يبدو مهماً يستحق أن يكون أولوية.
ابحث عن الشيء الذي يصنع الفرق
الأساسياتية تقوم على البحث المتعمد عن القليل الذي يصنع الفرق الأكبر، وهذا يتطلب أولاً القدرة على التمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي بدلاً من محاولة تحسين كل شيء، يقترح ماكيون أن نسأل: ما الشيء الأكثر أهمية الذي يمكنني فعله الآن؟ وما الذي سيحدث إذا لم أفعل هذه المهمة؟ وما مقدار القيمة الحقيقية التي تضيفها هذه الفرصة إلى الاتجاه الذي اخترته؟ بهذه الطريقة تتحول الأولوية من قائمة طويلة من المهام إلى قرار واع بشأن المكان الذي ينبغي أن تذهب إليه الطاقة.
كل اختيار يعني التخلي عن شيء آخر
يولي الكتاب أهمية كبيرة لفكرة المفاضلة، فالإنسان لا يستطيع امتلاك كل شيء في الوقت نفسه كل اختيار يحمل في داخله اختياراً آخر بالضرورة عندما نقول نعم لمشروع فإننا نقول لا لوقت كان يمكن أن يذهب إلى شيء آخر، وعندما نقبل التزاماً جديداً فإننا نقتطع جزءاً من المساحة المتاحة لأشياء أخرى المشكلة أن الإنسان كثيراً ما يحاول تجاهل هذه الحقيقة، فيعيش وكأنه يستطيع الاحتفاظ بكل الخيارات مفتوحة دون تكلفة، لكن التكلفة تظهر لاحقاً في صورة إرهاق وتشتت وضعف جودة الإنجاز. لذلك تصبح المفاضلة في نظر ماكيون ليست علامة على العجز، وإنما جزءاً طبيعياً من اتخاذ القرار.
العزلة ليست هروباً بل مساحة للتفكير
يأخذ الكتاب القارئ كذلك إلى منطقة مهمة، وهي ضرورة الابتعاد المؤقت عن الضوضاء حتى يستطيع أن يرى الصورة بوضوح الانشغال المستمر لا يمنح العقل فرصة للتفكير العميق، ولذلك تصبح العزلة الهادئة والقراءة والتأمل واللعب وحتى النوم عناصر مرتبطة بالإنتاجية وليست عكسها الإنسان الذي يحاول استخراج أكبر قدر ممكن من العمل من جسده وعقله دون راحة قد يكتشف أنه يخسر القدرة التي يحتاج إليها أصلاً لاتخاذ قرارات جيدة ولهذا ينظر ماكيون إلى النوم باعتباره حماية للأداة الأساسية التي يعمل بها الإنسان، وهي نفسه.
لا تقل نعم لكل فرصة
تظهر أهمية هذا التصور بصورة أوضح عندما يتحدث الكتاب عن الاختيار الأساسياتية لا تبدأ عندما يصبح الإنسان أمام مهمة، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما يقرر ما الذي يسمح له بالدخول إلى حياته كلما ارتفعت معايير الاختيار أصبح من الأسهل استبعاد الأشياء التي لا تستحق، وكلما أصبحت المعايير أكثر مرونة أصبح من السهل قول نعم لكل شيء ولهذا يدعو ماكيون إلى التوقف عن التعامل مع الفرص باعتبارها مكاسب تلقائية، فبعض الفرص قد تكون جيدة في ذاتها، لكنها ليست جيدة لهذا الشخص في هذه اللحظة.
قول لا مهارة تحمي أولوياتك
ثم ينتقل التفكير إلى واحدة من أكثر المهارات صعوبة، وهي قول لا الرفض ليس بالضرورة رفضاً للإنسان أو للعلاقة، وإنما قد يكون حماية لقرار سابق ولأولوية أكثر أهمية يمكن أن يكون الإنسان مهذباً وحازماً في الوقت نفسه عندما يعتذر عن التزام لا يستطيع تقديمه بالشكل المناسب. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تصطدم بعادات اجتماعية ومهنية تجعل إرضاء الآخرين هدفاً دائماً. ولذلك يحتاج الإنسان إلى بناء حدود واضحة حتى لا تتحول رغبة الآخرين إلى جدول حياة خاص به.
لا يكفي أن تختار المهم بل يجب أن تبسّطه
الكتاب لا يكتفي بفكرة حذف الأشياء، وإنما يهتم أيضاً بطريقة تنفيذ الأشياء التي تم اختيارها الأساسياتية تعني أن القليل المختار يجب أن يحصل على أفضل مستوى ممكن من الاهتمام. لذلك يصبح تبسيط الإجراءات وتقليل العقبات والاستعداد المسبق جزءاً من المنهج عندما يعرف الإنسان ما الذي يريده يستطيع أن يبني حوله نظاماً يجعل الوصول إليه أسهل، ويقلل القرارات الصغيرة التي تستنزف الانتباه وهذا يفسر لماذا لا يقدم ماكيون الأساسياتية باعتبارها مجرد تقنية لإدارة الوقت، بل باعتبارها طريقة لإدارة الحياة والاختيارات.
المشكلة ليست دائماً في قلة الوقت
قيمة الكتاب الحقيقية تظهر عندما نربطه بالواقع اليومي الكثير من الناس لا يعانون لأنهم لا يعملون بما يكفي، وإنما لأنهم يعملون في اتجاهات كثيرة في الوقت نفسه وقد يتحول النجاح نفسه إلى مصدر للتشتت عندما تفتح نتيجة جيدة أبواباً جديدة، وتأتي معها دعوات ومشروعات ومسؤوليات أكثر. هنا يصبح السؤال الأكثر نضجاً ليس: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وإنما: ماذا ينبغي أن أفعل؟ وما الذي يمكنني أن أتركه دون شعور بالذنب؟
الوضوح يصنع حياة أكثر تركيزاً
الأساسياتية في جوهرها دعوة إلى استعادة الوضوح الإنسان حين يحدد ما يهمه فعلاً يستطيع أن يرفض ما لا يخدمه، ويمنح اهتمامه لما يستحق، ويعمل بطاقة أكبر في مساحة أقل هذا لا يعني أن الحياة ستصبح سهلة أو أن جميع الاختيارات ستصبح واضحة، لكنه يعني أن القرارات ستصبح أكثر ارتباطاً بما يريده الإنسان فعلاً، لا بما يفرضه عليه ضغط المجتمع أو توقعات الآخرين أو الخوف من ضياع الفرص.
النجاح ليس في أن تفعل كل شيء
يترك جريج ماكيون القارئ أمام فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل أثراً عميقاً، وهي أن الحياة لا تصبح أفضل دائماً بإضافة المزيد، فقد تتحسن عندما نمتلك الشجاعة لحذف ما لا يخدمها عندما يصبح الاختيار أكثر وعياً يصبح الوقت أكثر قيمة، ويصبح التركيز أكثر قوة، ويصبح الإنجاز مرتبطاً بما يستحق فعلاً وهنا تتحول الأساسياتية من فكرة عن الإنتاجية إلى موقف كامل من الحياة يقوم على أن النجاح الحقيقي ليس في أن تفعل كل ما تستطيع، وإنما في أن تعرف ما الذي يستحق أن تبذل من أجله كل ما تستطيع.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
بطاقة تعريفية
العنوان: Essentialism: The Disciplined Pursuit of Less
المؤلف: Greg McKeown
دار النشر: Crown Business
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: 260 صفحة وفق سجلات فهرسة المكتبات للنسخة المشار إليها
ISBN: 9780804137386







