لماذا تتخذ الفرق الذكية قرارات غبية؟.. قراءة في كتاب Wiser

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يتناول كاس صنشتاين وريد هاستي في كتابهما ” Wiser”، مفارقة تبدو غريبة في ظاهرها، كيف يمكن لمجموعة من الأفراد الأذكياء أن تتخذ قراراً أسوأ من قرار أي فرد فيها منفرداً؟ الإجابة، كما يوضح الكتاب، لا تكمن في نقص الكفاءة الفردية، بل في الآليات النفسية والاجتماعية التي تحكم النقاش الجماعي، وأهمها الرغبة في الانسجام مع الجماعة على حساب قول الحقيقة أو مشاركة معلومة مختلفة.

يكتب المؤلفان من موقع أكاديمي وقانوني، فصنشتاين خبير في القانون والسياسات العامة، وهاستي متخصص في علم اتخاذ القرار، وقد لاحظا أن كثيراً من الفضائح المؤسسية والقرارات الكارثية في الشركات والحكومات لم تكن نتيجة غياب المعلومة، بل نتيجة بيئة اجتماعية داخل الاجتماعات تمنع تلك المعلومة من الظهور، أرادا أن يقدما تفسيراً علمياً لهذه الظاهرة، مدعوماً بتجارب وأبحاث ميدانية، ثم يحولانه إلى أدوات عملية يمكن لأي فريق عمل أو مجلس إدارة أن يستخدمها.

يشرح الكتاب ظاهرة “التتالي المعلوماتي”، حيث يميل كل متحدث جديد في الاجتماع إلى تبني موقف من سبقه بدلاً من الاعتماد على معلوماته الخاصة، خصوصاً إذا كان المتحدث الأول شخصاً ذا سلطة أو خبرة متصورة، والنتيجة أن القرار النهائي قد يعكس رأي شخص واحد بدلاً من الحكمة الجماعية التي كان يفترض أن يوفرها اجتماع موسع.

من أخطر ما يكشفه الكتاب أن النقاشات الجماعية تميل بطبيعتها إلى تكرار ما يعرفه الجميع مسبقاً، بينما تُهمَّش المعلومات التي يمتلكها فرد واحد فقط، رغم أنها غالباً الأكثر قيمة لأنها تضيف زاوية جديدة، ويعود ذلك إلى أن الحديث عن معلومة مشتركة يمنح المتحدث تأكيداً اجتماعياً فورياً، بخلاف طرح معلومة نادرة قد تُقابل بالتشكيك.

يوضح المؤلفان أن مجرد اجتماع أشخاص يتفقون في الأصل على اتجاه معين، كفيل بأن يدفعهم بعد النقاش إلى تبني موقف أكثر تطرفاً مما بدأوا به، لأن كل رأي مؤيد يُسمع يعزز شعور الفرد بأن قناعته صحيحة ومشتركة، وهي ديناميكية تفسر كيف تتصلب مواقف اللجان والجماعات المغلقة بمرور الوقت دون أن تدخل عليها أدلة جديدة فعلية.

ذكاء الأفراد لا يضمن حكمة قرار الجماعة.

“التفكير الجماعي” يدفع الأفراد لإخفاء آرائهم الحقيقية.

ترتيب الحديث في الاجتماع يؤثر في مسار القرار.

المعلومات الخاصة النادرة غالباً ما تُهمَّش لصالح المعلومات المشتركة.

النقاش الجماعي قد يزيد التطرف بدل تعديل الموقف.

الخوف من فقدان المكانة يمنع كثيرين من المعارضة العلنية.

تأجيل القائد لرأيه يشجع على مشاركة أوسع وأكثر صدقاً.

دور “محامي الشيطان” أداة فعالة لكشف عيوب القرار مبكراً.

تنويع الخلفيات في الفريق يقلل من الانحياز الجماعي.

جودة القرار يجب أن تُقاس بمعزل عن سرعة الوصول إلى الإجماع.

 

يفيد هذا الكتاب القادة ومديري الفرق وأعضاء مجالس الإدارة، وكل من يشارك بانتظام في اجتماعات جماعية تُتخذ فيها قرارات مؤثرة، كما يفيد الباحثين في علم النفس التنظيمي والسياسات العامة الراغبين في فهم آليات الانحياز الجماعي من منظور علمي مبسط.

يستند الكتاب إلى أمثلة حقيقية من مجالات متنوعة، من غرف اجتماعات الشركات إلى قرارات سياسية كبرى، ما يجعله بعيداً عن التنظير المجرد، كما يقدم في نهايته توصيات عملية واضحة يمكن تطبيقها مباشرة في أي بيئة عمل، وهو ما يميزه عن كثير من كتب الإدارة النظرية.

يميل الكتاب في بعض فصوله إلى التكرار عند شرح المفاهيم النظرية، كما أن بعض الأمثلة المستمدة من السياق الأمريكي والقانوني قد تحتاج إلى جهد إضافي من القارئ العربي لربطها بسياقات مؤسسية مختلفة.

يطرح الكتاب سؤالاً يستحق التوقف عنده: هل تكفي الأدوات الإجرائية، كتأجيل رأي القائد أو تعيين “محامي شيطان”، لتغيير ثقافة مؤسسية عميقة قائمة على الخوف من السلطة؟ أم أن الحل الحقيقي يتطلب تغييراً أوسع في طريقة توزيع القوة داخل المؤسسات، بحيث تصبح المعارضة جزءاً مقبولاً من العمل، لا استثناءً يحتاج إلى آلية خاصة لحمايته؟.

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: Wiser: Getting Beyond Groupthink to Make Groups Smarter
المؤلف: كاس صنشتاين وريد هاستي (Cass R. Sunstein & Reid Hastie)
دار النشر: Harvard Business Review Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: نحو 320 صفحة
رقم الإيداع: —
ISBN: 978-1422193552

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *