كيف يحول الإنسان الأزمات إلى فرص للنهوض؟

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية مستوحاة من عنوانه وفكرته العامة تقدم رؤية تفسيرية تناقش كيف يمكن للإنسان أن يحول الأزمات إلى فرص للنمو وكيف يصبح الأمل وسيلة للمقاومة النفسية في أصعب الظروف فالكتاب لا يتحدث عن الوباء باعتباره حدثا صحيا فقط وإنما يقدمه بوصفه اختبارا للإنسان ولقدرته على الصبر وإعادة ترتيب أولوياته واكتشاف المعاني التي تختبئ خلف الألم وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ التجربة الإنسانية التي أراد الكاتب أن يشاركها مع قارئ عاش المرحلة نفسها أو سمع عنها وتأثر بها

تقوم الفكرة الأساسية لكتاب”تسليم الوباء في زمن الأمل”للكاتب”د. مهدي عامري”على أن الأزمات مهما بلغت قسوتها لا تعني نهاية الحياة؛ وإنما قد تكون بداية لاكتشاف الإنسان لنفسه ولطاقاته وقدرته على التكيف، ويرى الكاتب أن التسليم لا يعني الاستسلام أو الضعف، وإنما يعني تقبل الواقع كما هو ثم الانطلاق منه نحو العمل والأمل، فكل محنة تحمل داخلها درسا جديدا إذا امتلك الإنسان الشجاعة للنظر إليها بعين مختلفة.

ويؤكد الكاتب أن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة صحية بل كانت فرصة لمراجعة أسلوب حياتنا وعلاقاتنا ونظرتنا إلى الوقت وإلى الأشياء التي كنا نعتبرها أمورا مسلما بها قبل أن نفقدها فجأة.

وجاء هذا الكتاب في وقت كان العالم يعيش واحدة من أكثر الفترات اضطرابا بسبب انتشار فيروس كورونا، حيث سادت مشاعر الخوف والعزلة وعدم اليقين، لذلك أراد المؤلف أن يقدم للقارئ خطابا مختلفا يقوم على بث الطمأنينة وإعادة بناء الأمل بدلا من الاستسلام للقلق.

فالكاتب لا ينكر حجم المعاناة لكنه يحاول أن يثبت أن الإنسان يملك دائما القدرة على تجاوز الظروف الصعبة عندما يغير طريقته في النظر إليها ويستخلص منها دروسا تساعده على بناء مستقبل أكثر وعيا واتزانا، ولذلك فإن الكتاب يعد دعوة للتصالح مع الواقع والعمل على تجاوزه بدلا من الهروب منه أو الانكسار أمامه.

ويحاول المؤلف أن يلفت انتباه القارئ إلى أن الإنسان قد لا يملك دائما القدرة على تغيير الأحداث التي تقع حوله لكنه يملك القدرة على اختيار الطريقة التي يتعامل بها معها، فاليأس ليس قدرا مفروضا كما أن الأمل ليس مجرد أمنية، وإنما قرار يبدأ من الداخل ولذلك يدعو القارئ إلى التمسك بالقيم الإنسانية والتعاون والتراحم لأن الأزمات تكشف حقيقة المجتمعات كما تكشف معدن الأفراد.

الإنسان في مواجهة الأزمات:

من أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب أن الأزمات لا تختبر الإمكانات المادية فقط؛ وإنما تختبر قوة النفس وقدرة الإنسان على الصبر، ويرى الكاتب أن كثيرين اكتشفوا خلال فترة الوباء جوانب جديدة في شخصياتهم، وأعادوا النظر في أولوياتهم فعرفوا قيمة الأسرة والصحة والوقت والعلاقات الإنسانية التي كانت تؤخذ سابقا باعتبارها أمورا عادية.

الأمل ليس وهما:

يرفض الكاتب النظر إلى الأمل باعتباره مجرد شعور مؤقت، بل يقدمه باعتباره قوة تدفع الإنسان إلى الاستمرار والعمل، فالإنسان الذي يفقد الأمل يفقد القدرة على البناء، بينما الذي يتمسك به يستطيع أن يصنع مستقبله مهما كانت الصعوبات، ولهذا يربط الكتاب دائما بين الأمل والعمل لأن التفاؤل وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى خطوات حقيقية.

الدروس التي تركها الوباء:

يشير الكتاب إلى أن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة عابرة، وإنما تجربة إنسانية غيرت كثيرا من المفاهيم، فقد أعادت الاعتبار للعلم ولأهمية المسؤولية الفردية والعمل الجماعي، كما كشفت أن العالم كله قد يواجه المصير نفسه مهما اختلفت الحدود والثقافات، ولذلك فإن الإنسان أصبح أكثر إدراكا لقيمة التضامن والتكافل والتعاون.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يناسب هذا الكتاب كل من مر بتجربة صعبة ويرغب في استعادة الأمل، كما يناسب الشباب والطلاب والمهتمين بعلم النفس والتنمية الإنسانية، وكل قارئ يبحث عن كتاب يساعده على فهم الأزمات من زاوية مختلفة، كما سيجد فيه القارئ الذي عاش فترة الوباء فرصة لإعادة تأمل تلك المرحلة واستخلاص ما تركته من دروس وخبرات.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

لا يعتمد الكتاب على استعراض أحداث الجائحة بقدر ما يحاول تحليل آثارها النفسية والفكرية، ويقدم رؤية إنسانية تجعل من الأزمة نقطة انطلاق للتغيير، ولذلك فإن قيمته الحقيقية تكمن في الأسئلة التي يثيرها أكثر من الإجابات التي يقدمها، فهو يدعو القارئ إلى التفكير في معنى الصبر وقيمة الوقت وحدود سيطرة الإنسان على حياته وكيف يمكن تحويل المحنة إلى دافع لبداية جديدة.

كما ينجح الكاتب في الجمع بين التأمل الفلسفي والطرح الواقعي، فيخرج النص قريبا من القارئ لأنه يتحدث عن تجربة عاشها الجميع بدرجات مختلفة، وهو ما يمنح الكتاب بعدا إنسانيا يتجاوز حدود الزمان والمكان.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

يمتلك كتاب تسليم الوباء في زمن الأمل العديد من الجوانب التي تمنحه قيمة إنسانية وفكرية واضحة، إذ يتميز بارتباطه بتجربة عالمية عاشها الجميع، ويقدم معالجة هادئة تركز على الجانب النفسي والإنساني للأزمات، كما ينجح الكاتب في الجمع بين الواقعية والأمل، موضحا أن تجاوز المحن لا يعتمد فقط على الظروف وإنما على قدرة الإنسان على التكيف وإعادة بناء رؤيته للحياة.

وفي المقابل، قد يجد بعض القراء أن الطابع التأملي يغلب على الكتاب في بعض أجزائه، مما يجعل الجانب العملي أقل حضورا، كما أن تكرار بعض الأفكار المرتبطة بالأمل والصبر قد يعطي انطباعا بالإطالة في مواضع محددة، خاصة لمن يبحث عن حلول مباشرة أو خطوات تطبيقية واضحة.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

من وجهة نظري لا تكمن قيمة هذا الكتاب في الحديث عن الوباء نفسه، وإنما في حديثه عن الإنسان وقت الشدة، فالأزمات تتغير من زمن إلى آخر لكن طريقة التعامل معها تظل متشابهة، ولذلك أرى أن الرسالة الأهم التي يقدمها الكتاب هي أن الإنسان يستطيع دائما أن يبدأ من جديد مهما كانت الظروف، وأن الأمل الحقيقي ليس انتظار انتهاء الأزمة، وإنما القدرة على مواصلة الحياة رغم وجودها.

في النهاية عندما نغلق صفحات تسليم الوباء في زمن الأمل لا يبقى في الذهن الحديث عن المرض بقدر ما تبقى فكرة أن الإنسان أقوى مما يظن إذا امتلك الإيمان والأمل والعمل فالسنوات الصعبة قد تمر لكنها تترك خلفها خبرات لا تقدر بثمن ومن يحسن قراءة تلك الخبرات يستطيع أن يحول الألم إلى بداية جديدة وأن يجعل من كل محنة خطوة نحو حياة أكثر وعيا ونضجا.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد ولا تمثل إعادة نشر أو نسخا لمحتوى كتاب تسليم الوباء في زمن الأمل ولا تعد بديلا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلف د. مهدي عامري ولدار النشر وفقا لحقوق الملكية الفكرية وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “تسليم الوباء في زمن الأمل”

المؤلف: “د. مهدي عامري”

دار النشر: حلقة الفكر المغربي – فاس

بلد النشر: المغرب

الطبعة: الأولى

سنة الإصدار: يناير 2021

رقم الإيداع القانوني: 2021MO0387

الترقيم الدولي ISBN: 978-9920-694-73-5

التصنيف: فكر وتأملات إنسانية

اللغة: العربية

الموضوع: التأمل في آثار جائحة كورونا وقيمة الأمل والتكيف مع الأزمات

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *