قراءة في كتاب فخ السعادة The Happiness Trapللكاتب روس هاريس

 

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

اعتدنا أن تخبرنا كتب التنمية البشرية أن السعادة هدف يمكن الوصول إليه إذا غيرنا طريقة تفكيرنا، أو تخلصنا من المشاعر السلبية، أو اتبعنا مجموعة من العادات اليومية.

يكاد هذا الخطاب يتكرر في عشرات الكتب حتى أصبح يبدو حقيقة لا تقبل النقاش لكن عندما بدأت قراءة كتاب فخ السعادة لروس هاريس، سنجد إننا أمام طرح مختلف تمامًا، طرح لا يعدك بحياة خالية من الألم، ولا يبيع لك وصفة سحرية للسعادة، بل يطلب منك أن تتوقف أولًا عن مطاردة هذا الوهم.

العنوان في حد ذاته مثير للفضول، كيف يمكن أن تكون السعادة فخًا، أليست هي الغاية التي يسعى إليها الجميع، لكن مع التقدم في القراءة يتضح أن المقصود ليس السعادة نفسها، بل الاعتقاد بأن علينا أن نكون سعداء طوال الوقت، وأن أي شعور بالحزن أو القلق أو الخوف يعني أننا نفشل في الحياة، هذه الفكرة، كما يوضح هاريس، تجعل الإنسان يدخل في معركة لا تنتهي مع مشاعره، فيتحول الألم الطبيعي إلى معاناة مستمرة.

من أكثر الأمور التي لفتت انتباهي أن الكاتب لا يحاول إقناع القارئ بإلغاء المشاعر السلبية، بل يدعوه إلى تغيير علاقته بها، فالحزن لا يعني أن حياتك سيئة، والقلق لا يعني أنك ضعيف، والغضب ليس دليلًا على أنك فقدت السيطرة دائمًا، المشاعر، كما يقدمها الكتاب، ليست أعداء يجب التخلص منهم، وإنما رسائل وتجارب إنسانية تستحق أن تفهم قبل أن تقاوم.

يعتمد الكتاب على مبادئ العلاج بالقبول والالتزام ACT، لكنه يبتعد قدر الإمكان عن اللغة الأكاديمية، حيث استخدم هاريس قصصا وأمثلة وتمارين بسيطة تساعد القارئ على فهم الفكرة دون أن يشعر بأنه يقرأ كتابًا في علم النفس.

وربما كانت هذه البساطة أحد أسباب نجاح الكتاب وانتشاره بين القراء، لأنها تجعل الأفكار قريبة من الحياة اليومية، لا حبيسة المصطلحات العلمية.

أثناء القراءة، ستشعر أن الكاتب يحاول أن يحرر الإنسان من عبء الكمال، فنحن نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في محاولة السيطرة على كل شيء أفكارنا، ومشاعرنا، وردود أفعالنا، وحتى نظرة الآخرين إلينا. وعندما نفشل في ذلك، نظن أن المشكلة فينا، بينما يقول هاريس إن المشكلة ليست في وجود هذه المشاعر، بل في الاعتقاد بأن الحياة الطبيعية يجب أن تخلو منها.

وعن تناول فكرة أن الإنسان يستطيع أن يعيش حياة ذات معنى حتى وهو يشعر بالألم، ففي الثقافة السائدة، كثيرًا ما نؤجل أحلامنا إلى أن نشعر بالثقة الكاملة، أو يختفي القلق، أو تتحسن ظروفنا النفسية، أما الكتاب فيقترح العكس تمامًا، وهي أنه يمكنك أن تخطو نحو أهدافك رغم وجود الخوف، وأن تستمتع بلحظات حياتك رغم وجود الحزن، لأن انتظار اللحظة المثالية قد يعني ألا تبدأ أبدًا.

وعند التركيز في فصول الكتاب، ستجد في أكثر من موضع أن الكاتب يكرر الفكرة الأساسية بصيغ مختلفة، حتى بدت بعض الفصول وكأنها تدور في الحلقة نفسها، ربما كان الهدف هو ترسيخ المفهوم، لكنني كنت أفضل قدرًا أكبر من الاختصار والتركيز.

كما أن بعض التمارين تحتاج إلى صبر والتزام حقيقي. قد يقرأها البعض ثم ينتقل إلى الصفحة التالية دون أن يطبقها، وهنا يفقد الكتاب جزءًا من قيمته. فهو ليس كتابًا يعتمد على القراءة فقط، بل على التجربة والممارسة، ومن يكتفي بفهم الأفكار نظريا قد لا يشعر بالتغيير الذي يتحدث عنه المؤلف.

هناك أيضا نقطة تستحق النقاش، ففي بعض المواضع، قد يظن القارئ أن التركيز على تقبل المشاعر قد يقلل من أهمية البحث عن حلول للمشكلات الواقعية، صحيح أن الكاتب يوضح أن القبول لا يعني الاستسلام، لكن الفصل بين الأمرين قد لا يكون واضحًا للجميع، خاصة لمن يقرأ الكتاب للمرة الأولى، لذلك أعتقد أن الاستفادة الحقيقية منه تحتاج إلى قراءة متأنية، لا إلى تصفحه باعتباره كتابًا تحفيزيًا سريعًا.

ولعل أكثر ما يميز فخ السعادة أنه يعيد تعريف النجاح الشخصي، فالنجاح هنا ليس أن تعيش سعيدًا طوال الوقت، بل أن تعيش وفق قيمك، وأن تتخذ قراراتك بناءً على ما تؤمن به، لا بناءً على مزاجك اللحظي، وهذه من أكثر الأفكار التي بقيت معي بعد الانتهاء من الكتاب، لأنها تنقل مركز الاهتمام من المشاعر المتقلبة إلى الأفعال التي نصنع بها حياتنا.

بعد إغلاق الصفحة الأخيرة، لم أشعر بأنني أصبحت أكثر سعادة، لكنني شعرت بأنني أقل خوفًا من الحزن، وربما كانت هذه هي الرسالة التي أراد روس هاريس إيصالها: ليست المشكلة أن نتألم، فالألم جزء من التجربة الإنسانية، وإنما المشكلة أن نقضي أعمارنا نحاول الهروب منه، فنفقد في أثناء ذلك فرص العيش الحقيقي.

في النهاية، لا أرى أن “طفخ السعادة يناسب من يبحث عن كلمات تحفيزية أو وعود سريعة بتغيير حياته خلال أسبوع، لكنه مناسب لكل من يريد أن يفهم نفسه بصورة أعمق، وأن يبني علاقة أكثر هدوءًا مع أفكاره ومشاعره، فهو كتاب لا يمنحك إجابات جاهزة، بل يدفعك إلى طرح أسئلة جديدة على نفسك، وربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية لأي كتاب جيد.

الكلمة الأخيرة:
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: The Happiness Trap فخ السعادة
المؤلف: Russ Harris
دار النشر: Exisle Publishing
بلد النشر: أستراليا
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2007
عدد الصفحات: 280 صفحة
ISBN: 9780908988907

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *