عقل ذكي.. تركيز مفقود: كيف تحوّل التشتت إلى إنجاز

تمهيد:

كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يناقش كتاب”ذكي لكنه مشتت”للمؤلفان”بيج داوسون وريتشارد جوير”الفجوة التي قد تظهر لدى بعض الأطفال بين القدرات العقلية والقدرة على تحويل هذه القدرات إلى أداء عملي منظم.

وينطلق المؤلفان من فكرة أساسية مفادها أن الذكاء وحده لا يضمن النجاح الدراسي أو الاجتماعي، لأن الطفل يحتاج أيضًا إلى مجموعة من المهارات التنفيذية، مثل التخطيط والتنظيم وإدارة الوقت وضبط الانفعالات والمرونة في التفكير والمثابرة.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه يعيد النظر في بعض الأحكام الشائعة على الأطفال، فبدلًا من وصف الطفل بأنه كسول أو مهمل أو غير مسؤول، يدعو إلى التساؤل: هل يمتلك الطفل المهارة التي نطالبه باستخدامها؟

وجاء الكتاب استجابة لمشكلة يواجهها كثير من الآباء والمعلمين طفل يبدو ذكيًا وقادرًا، لكنه ينسى واجباته، ويفقد أدواته، ويتأخر في إنجاز مهامه، ويواجه صعوبة في تنظيم وقته أو السيطرة على اندفاعاته.

وفي مثل هذه الحالات قد يتحول التعامل مع المشكلة إلى سلسلة من اللوم والعقاب، بينما يرى المؤلفان أن الحل يبدأ بفهم المهارات التي يحتاج الطفل إلى تطويرها.

ومن هنا ينتقل الكتاب من سؤال لماذا لا يفعل الطفل ما يعرف أنه يجب أن يفعله؟ إلى سؤال أكثر فائدة ما المهارة التي يحتاج إلى تعلمها حتى يستطيع فعل ذلك؟

الذكاء لا يكفي:

قد يمتلك الطفل قدرات عقلية جيدة، ومع ذلك يعاني من مشكلات واضحة في الدراسة أو الحياة اليومية.

فالقدرة على فهم الدرس لا تعني بالضرورة القدرة على تنظيم وقت المذاكرة، والقدرة على حل المسألة لا تعني القدرة على البدء في الواجب وإنجازه في موعده.

ومن هنا يميز الكتاب بين القدرة على المعرفة والقدرة على استخدام هذه المعرفة بطريقة منظمة وفعالة.

المهارات التنفيذية هي حلقة الوصل:

يضع المؤلفان مفهوم المهارات التنفيذية في قلب الكتاب، باعتبارها مجموعة من القدرات التي تساعد الطفل على إدارة سلوكه وتوجيهه نحو هدف محدد.

ومن أبرز هذه المهارات”التخطيط وإدارة الوقت والتنظيم والذاكرة العاملة وضبط النفس وإدارة الانفعالات والمرونة في التفكير والمبادرة والمثابرة.

ويؤكد الكتاب أن هذه المهارات لا تظهر لدى جميع الأطفال بالمستوى نفسه، وأنها قابلة للتطور من خلال التدريب والممارسة والدعم المناسب.

لا تعاقب السلوك قبل أن تفهم سببه:

من أهم الرسائل التربوية التي يقدمها الكتاب ضرورة الانتقال من لوم الطفل إلى فهم المشكلة.

فالطفل الذي ينسى الواجب باستمرار قد لا يكون مستهترًا، وإنما قد يعاني من ضعف في الذاكرة العاملة أو التنظيم.

والطفل الذي يتأخر في إنجاز مهمة قد لا يكون كسولًا، وإنما قد لا يمتلك القدرة الكافية على تقدير الوقت أو تقسيم المهمة إلى خطوات.

وبالتالي، فإن العقاب المتكرر قد يعالج السلوك ظاهريًا، لكنه لا يطور المهارة التي يحتاجها الطفل.

تقسيم المهمة يسهل الإنجاز:

يدعو الكتاب إلى تحويل المهام الكبيرة والمربكة إلى مجموعة من الخطوات الصغيرة والواضحة.

فبدلًا من مطالبة الطفل بـ”ترتيب غرفته” يمكن تقسيم المهمة إلى خطوات محددة: جمع الملابس، ترتيب الكتب، وضع الألعاب في مكانها، ثم تنظيم المكتب.

وتساعد هذه الطريقة الطفل على رؤية بداية المهمة ونهايتها، وتقلل من الشعور بالإرباك، وتدعم بناء عادة التنظيم تدريجيًا.

التدريب أفضل من التوقع:

من الأخطاء الشائعة أن يتوقع الكبار من الطفل إتقان مهارة لم يتعلمها فعليًا.

فالاستقلالية، وإدارة الوقت، والتنظيم، وضبط النفس ليست كلها مهارات يولد الطفل وهو يمتلكها بصورة مكتملة، وإنما تحتاج إلى تعليم وممارسة وتكرار.

ولهذا يركز الكتاب على التدريب التدريجي، بحيث يتعلم الطفل المهارة أولًا بمساعدة الكبار، ثم تقل المساعدة تدريجيًا كلما أصبح أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه.

الأسرة والمدرسة شريكان في الحل:

لا يضع الكتاب مسؤولية تطوير الطفل على الأسرة وحدها، بل يؤكد أهمية التعاون بين البيت والمدرسة.

فالطفل يحتاج إلى رسائل متسقة، وقواعد واضحة، وأدوات تساعده على التنظيم، وتوقعات تتناسب مع قدراته ومرحلة نموه.

وعندما تتعاون الأسرة والمعلم والأخصائي، تصبح فرصة الطفل في اكتساب المهارات أكبر وأكثر استدامة.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

الذكاء وحده لا يضمن النجاح.
المهارات التنفيذية تساعد الطفل على تحويل قدراته إلى أداء فعلي.
الأطفال يختلفون في مستوى نمو مهاراتهم التنفيذية.
التنظيم وإدارة الوقت مهارات يمكن تعلمها وتطويرها.
تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة يسهل تنفيذها.
التدريب والممارسة أكثر فائدة من العقاب المستمر.
البيئة الداعمة تساعد الطفل على اكتساب الاستقلالية.
التعزيز الإيجابي يمكن أن يكون أكثر فاعلية من التركيز الدائم على الأخطاء.
ضعف المهارات التنفيذية لا يعني بالضرورة وجود اضطراب ADHD.
الهدف النهائي ليس جعل الطفل أكثر طاعة، وإنما أكثر قدرة على إدارة نفسه وتحمل المسؤولية.
لمن يناسب هذا الكتاب؟

 التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات والأخصائيين النفسيين والتربويين والعاملين في مجال التربية الخاصة والمهتمين بتنمية مهارات الأطفال والمراهقين وكل من يتعامل مع أطفال يمتلكون قدرات جيدة لكنهم يواجهون صعوبات في التنظيم أو التخطيط أو إدارة الوقت.

كما يمثل الكتاب مادة مفيدة لكل من يريد فهم السلوكيات اليومية للطفل بعيدًا عن التفسيرات السريعة والأحكام الجاهزة.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

يستند إلى مفاهيم علمية في مجال المهارات التنفيذية.
يقدم حلولًا عملية قابلة للتطبيق.

يبتعد عن لوم الطفل أو وصمه.
يراعي الفروق الفردية بين الأطفال.
يخاطب الأسرة والمدرسة في الوقت نفسه.
يجمع بين الجانب العلمي والتطبيق العملي.
يعزز مفهوم التربية الإيجابية.
يساعد الكبار على اكتشاف نقاط القوة لدى الطفل.
يحول المشكلات اليومية إلى مهارات يمكن تدريب الطفل عليها.

رغم القيمة العملية للكتاب، يمكن تسجيل بعض الملاحظات، من بينها:

تطبيق الاستراتيجيات يحتاج إلى وقت وصبر واستمرارية.
بعض الحلول تفترض وجود دعم أسري وتعليمي قد لا يتوافر لجميع الأطفال.
ترتبط بعض الأمثلة والبيئات التعليمية بالسياق الغربي.
قد تحتاج بعض الأدوات إلى تعديل حتى تتناسب مع طبيعة الأسر والمدارس العربية.
كان من الممكن التوسع بصورة أكبر في بعض التحديات المرتبطة بمرحلة المراهقة.
نجاح الاستراتيجيات يتأثر بدرجة التزام المحيطين بالطفل، وليس بالطفل وحده.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

من أهم القضايا التي يثيرها الكتاب مسألة الفرق بين عدم القدرة وعدم الرغبة.

ففي التربية التقليدية قد يُفسر عدم إنجاز الطفل لمهمته باعتباره كسلًا أو عنادًا، بينما يدعو الكتاب إلى النظر في احتمال وجود مهارة لم تكتمل بعد.

لكن هذا الطرح لا يعني إعفاء الطفل من المسؤولية أو تحويل كل خطأ إلى مشكلة في المهارات التنفيذية؛ وإنما يعني فهم السبب الحقيقي وراء السلوك، ثم تحديد مستوى المسؤولية والدعم المناسبين.

كما أن الحديث عن المهارات التنفيذية يجب ألا يتحول إلى تشخيص ذاتي أو تفسير طبي لكل سلوك طفولي، فالكتاب نفسه يلفت الانتباه إلى أن وجود ضعف في بعض المهارات التنفيذية لا يعني تلقائيًا إصابة الطفل باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD، وأن التقييم المهني يظل ضروريًا عند وجود مخاوف حقيقية.

وتبرز كذلك مسألة البيئة المحيطة؛ فالطفل قد يمتلك قابلية جيدة للتطور، لكن البيئة التي يعيش ويتعلم فيها قد لا توفر الوقت أو الدعم أو الأدوات اللازمة.

ومن هنا فإن تطوير الطفل لا يمكن اختزاله في نصائح فردية، بل يحتاج في كثير من الحالات إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة والمتخصصين.

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: “ذكي لكنه مشتت”
العنوان الأصلي: Smart but Scattered
المؤلفان: “بيج داوسون” (Peg Dawson) “وريتشارد جوير” (Richard Guare)
التخصص: علم النفس التربوي – التربية – تنمية المهارات التنفيذية
الموضوع: تنمية المهارات التنفيذية لدى الأطفال والمراهقين وتحسين الأداء الدراسي والسلوكي
لغة الكتاب الأصلية: الإنجليزية
دار النشر: The Guilford Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
مكان النشر: نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2009
عدد الصفحات: نحو 314 صفحة، بحسب الطبعة
رقم الإيداع: غير متاح في بيانات النسخة المشار إليها
ISBN-10: 1606232390
ISBN-13: 978-1606232392
الفئة المستهدفة: الآباء، والمعلمون، والأخصائيون النفسيون، وأخصائيو التربية الخاصة، والمهتمون بتنمية مهارات الأطفال والمراهقين.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *