ستمر.. حين يصبح الألم طريقًا إلى الطمأنينة

ليس كل كتاب يسعى إلى أن يعلّم القارئ كيف يحقق النجاح، أو يضع بين يديه مفاتيح التفوق، فهناك كتب تختار طريقًا أكثر هدوءًا وعمقًا، وتكتفي بأن تمد يدها إلى الإنسان في لحظة ضعفه لتخبره أنه ليس وحده، ومن هذا المنطلق يأتي كتاب “ستمر” للكاتب العماني فهد البشارة، الذي يجعل من عنوانه رسالة مكتملة قبل أن يبدأ القارئ صفحته الأولى، فكلمة واحدة تحمل وعدًا خفيًا بأن ما يثقل القلب اليوم لن يبقى إلى الأبد، وأن الألم، مهما بدا مقيمًا، ليس سوى عابر سبيل في رحلة الحياة.

 

لا ينتمي “ستمر” إلى الكتب التقليدية في التنمية البشرية التي تعتمد على الخطط العملية أو النصائح المباشرة، ولا يقدم وصفات جاهزة لتحقيق السعادة أو النجاح، بل يختار أن يخاطب الجانب الإنساني في القارئ من خلال خواطر وتأملات قصيرة ورسائل وجدانية تدور حول الصبر، والرضا، والفقد، والأمل، والتعلق بالله، والإيمان بأن الأيام، مهما اشتدت قسوتها، تحمل في طياتها فرصة جديدة للبداية، فالكتاب لا يَعِد القارئ بأن الحياة ستكون أقل قسوة، لكنه يطمئنه بأن الإنسان قادر على تجاوزها مهما بدت شديدة الوطأة.

 

الفكرة المحورية التي يدور حولها الكتاب بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها؛ فكل أزمة، وكل خسارة، وكل انكسار، له بداية وله نهاية. والكاتب لا ينكر الألم ولا يحاول تجميله، بل يعترف بوجوده أولًا، ثم يضعه في حجمه الطبيعي، باعتباره مرحلة من مراحل الحياة وليست الحياة كلها، فالحزن ليس هوية الإنسان، والخسارة ليست تعريفًا لمستقبله، وإنما تجربة تضيف إلى روحه قدرًا جديدًا من النضج، وتكشف له جوانب من قوته لم يكن يعرفها من قبل.

 

ويتنقل فهد البشارة بين مشاهد الحياة اليومية، فيتحدث عن فقد الأحبة، وخيبات العلاقات، وتعثر الأحلام، والقلق من المستقبل، والشعور بالوحدة، وهي قضايا يعيشها معظم الناس باختلاف أعمارهم وظروفهم، لكنه لا يعالجها بلغة الوعظ المباشر، وإنما يقترب منها بأسلوب هادئ يترك للقارئ مساحة للتأمل واستخلاص المعنى بنفسه، ولذلك يشعر كثير من القراء أن الكتاب لا يخاطب جمهورًا عامًا، بل يخاطب كل فرد على حدة، وكأن كل صفحة كُتبت لتصف تجربة عاشها هو شخصيًا.

 

وتبرز قيمة الكتاب في اعتماده على لغة سهلة، بعيدة عن التعقيد، لكنها في الوقت نفسه تحمل شحنة عاطفية كبيرة، فالجمل قصيرة، والإيقاع هادئ، والمعاني واضحة، وهو ما يجعل القراءة سلسة وقادرة على الوصول إلى مختلف الفئات العمرية، ولا يسعى الكاتب إلى إبهار القارئ بالمصطلحات أو الأفكار الفلسفية المعقدة، بل يراهن على صدق الإحساس، وهو رهان ينجح في كثير من المواضع، لأن الإنسان في لحظات ألمه لا يبحث عن النظريات بقدر ما يبحث عن كلمة تمنحه بعض الطمأنينة.

 

ولا يقف الكتاب عند حدود المواساة، بل يحاول إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى الابتلاء، فبدلًا من النظر إلى الألم باعتباره نهاية الطريق، يدعو الكاتب إلى اعتباره بداية لاكتشاف الذات، وإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة العلاقات، والاقتراب أكثر من الله، وهنا يبرز البعد الإيماني في الكتاب، إذ يجعل الصبر، وحسن الظن بالله، والرضا بالقضاء، عناصر أساسية في رحلة التعافي النفسي، دون أن يتحول النص إلى خطاب ديني مباشر، بل يبقى محتفظًا بطابعه الأدبي الهادئ.

 

ومن خلال هذا الطرح، يبتعد “ستمر” عن الخطاب التحفيزي الصاخب الذي يعد القارئ بتغيير حياته في أيام قليلة، ويقترب أكثر من فلسفة التدرج والواقعية، فالكاتب لا يقول إن الألم سيختفي فجأة، ولا يطالب القارئ بتجاهل مشاعره، وإنما يذكره بأن الزمن يؤدي دورًا لا يستطيع أحد أن يقوم به، وأن الأيام تمنح الإنسان قدرة جديدة على التكيف، حتى مع الجراح التي كان يظن يومًا أنها لن تلتئم.

 

ينتمي “ستمر” إلى أدب التنمية الذاتية ذي البعد الروحي، وهو اتجاه شهد انتشارًا واسعًا في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة، حيث يمزج بين التحفيز النفسي والتأمل الإيماني، وتكمن قوة الكتاب في أنه لا يخاطب العقل بمنطق الأرقام والدراسات، بل يخاطب القلب بلغة التجربة الإنسانية المشتركة، فالألم تجربة عالمية، وكذلك الأمل، ولذلك يجد القارئ نفسه قريبًا من الأفكار المطروحة حتى وإن اختلفت تفاصيل حياته عن تفاصيل الكاتب.

 

ويقدم فهد البشارة مفهومًا مختلفًا للقوة؛ فالقوي في نظره ليس من لا يتألم، وإنما من يواصل السير رغم الألم، كما يعيد تعريف النجاح، فلا يربطه بالمناصب أو الإنجازات، بل بقدرة الإنسان على الحفاظ على اتزانه الداخلي وسط العواصف، وهذه الرؤية تمنح الكتاب بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التنمية البشرية التقليدية، ليصبح أقرب إلى رحلة تأمل في معنى الصبر والسكينة.

 

ومن الجوانب اللافتة أيضًا أن الكاتب لا يهاجم الحزن، بل يمنحه مساحة طبيعية داخل الحياة، فهو لا يدعو إلى إنكار المشاعر السلبية أو مقاومتها بعنف، وإنما يرى أن الاعتراف بها هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، وهذه الفكرة تقترب من بعض المدارس الحديثة في علم النفس التي تؤكد أهمية تقبل المشاعر بدلًا من قمعها، وإن كان الكاتب يعرضها من منظور أدبي وإيماني أكثر منه منظورًا علميًا.

 

وعلى مستوى النقدى: ورغم ما يتمتع به الكتاب من دفء إنساني، فإنه لا يخلو من بعض الملاحظات النقدية، فاعتماده على الخواطر القصيرة يجعل بعض الأفكار تتكرر بصيغ مختلفة، وهو ما قد يمنح القارئ شعورًا بأن الرسالة الأساسية تدور في دائرة واحدة، كما أن التركيز على الجانب العاطفي يأتي أحيانًا على حساب التحليل النفسي العميق، فلا يقدم الكتاب تفسيرًا علميًا لكيفية تشكل الألم أو آليات التعافي منه، وإنما يكتفي بالجانب الوجداني والإيماني.

 

كذلك يلاحظ أن الكاتب يفضل اللغة الشعرية على البناء الفكري المنهجي، وهو ما يمنح النص جمالًا أدبيًا، لكنه قد يجعل بعض القراء الباحثين عن أدوات عملية أو حلول تطبيقية يشعرون بأن الكتاب أقرب إلى التأملات منه إلى المراجع المتخصصة في التنمية البشرية، ومع ذلك، فإن هذا الخيار يبدو منسجمًا مع طبيعة الكتاب، الذي لم يُكتب ليكون دليلًا تدريبيًا، بل رسالة مواساة إنسانية.

 

وربما كان من الممكن أن يزداد تأثير الكتاب لو دعم بعض أفكاره بقصص واقعية أو تجارب شخصية أكثر تفصيلًا، لأن التجربة الحية تمنح الفكرة قوة إضافية، وتجعل القارئ أكثر ارتباطًا بها، ومع ذلك، فإن بساطة الطرح وصدق المشاعر يعوضان جانبًا كبيرًا من هذا النقص، ويجعلان الكتاب قادرًا على الوصول إلى القارئ بسهولة.

 

الرؤية التحليلية: يكشف كتاب “ستمر” لفهد البشارة عن رؤية إنسانية تقوم على إعادة فهم الألم باعتباره مرحلة مؤقتة في مسار الحياة، وليس حالة دائمة تحدد مصير الإنسان، فالكاتب يبني فلسفته على فكرة أن التجارب الصعبة، رغم قسوتها، تحمل في داخلها إمكانية للنمو وإعادة اكتشاف الذات، وأن الزمن ليس مجرد عامل لمرور الأحداث، بل مساحة تساعد الإنسان على التكيف والتعافي واستعادة توازنه، ويقدم الكتاب مفهومًا مختلفًا للقوة، إذ لا يربطها بغياب الضعف أو القدرة على تجاوز المشاعر المؤلمة بسرعة، وإنما يراها في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يواجهه من انكسارات وتحديات، كما يعتمد البشارة على المزج بين التأمل النفسي والبعد الإيماني، فيطرح الصبر والرضا وحسن الظن بالله باعتبارها أدوات تمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة التحولات القاسية، وتظهر أهمية الكتاب في أنه ينقل التنمية الذاتية من التركيز على الإنجاز الخارجي إلى الاهتمام بالسلام الداخلي، مؤكدًا أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير الظروف حتى يشعر بالطمأنينة، بل يحتاج أحيانًا إلى تغيير نظرته إلى ما يمر به، وإدراك أن كل مرحلة مهما بلغت صعوبتها تحمل نهاية وبداية جديدة.

لهذا يمكن القول إن “ستمر” ليس كتابًا عن النجاح بقدر ما هو كتاب عن القدرة على الاستمرار، وليس كتابًا يعد القارئ بحياة خالية من الألم، بل يذكره بأن الألم نفسه ليس خالدًا، إنه رسالة هادئة، صادقة، تدعو الإنسان إلى أن يمنح الزمن فرصته، وأن يتمسك بالأمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة، لأن كل ما يبدو اليوم مستحيلًا على الاحتمال، سيصبح غدًا ذكرى بعيدة، وربما تكمن أجمل رسائل الكتاب في تلك الكلمة الوحيدة التي اختارها عنوانًا له، والتي تختصر فلسفته كلها: ستمر.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: ستمر

المؤلف: فهد البشارة

الناشر: دار شغف للنشر والتوزيع

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 191 صفحة

ردمك  (ISBN-13) :  9788080748968

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *