مني العدوي تكتب ..الإفراط في أمور الحياة أول طريق الخطأ

 

لا يبدأ الخطأ الكبير في حياة الإنسان بخطوة صاخبة ولا يولد الفشل فجأة من موقف واحد بل يتسلل بهدوء عندما يفقد الإنسان القدرة على الاعتدال ويظن أن الزيادة في كل شيء تعني النجاح وأن المبالغة دليل على القوة بينما الحقيقة تؤكد أن الإفراط هو الباب الذي تدخل منه معظم المشكلات مهما اختلفت أشكالها ومهما تنوعت مجالاتها فالإنسان الذي لا يعرف حدودا لرغباته ولا يضع ضوابط لتصرفاته يجد نفسه مع مرور الوقت أسيرا لعادات تستنزف صحته وعلاقاته ووقته وماله حتى يصبح الخطأ أسلوب حياة وليس مجرد موقف عابر و لقد قامت الحضارات على فكرة التوازن لأن الحياة بطبيعتها لا تستقيم مع الإفراط ولا مع التفريط فالعمل يحتاج إلى راحة والراحة تحتاج إلى عمل والكلام يحتاج إلى صمت والإنفاق يحتاج إلى ادخار والطموح يحتاج إلى حكمة لذلك كان الاعتدال دائما هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار بينما يقود الإفراط صاحبه إلى نتائج لم يكن يتوقعها مهما كانت نواياه حسنة.

الإفراط لا يرتبط فقط بالأمور السلبية بل قد يتحول حتى الشيء الإيجابي إلى مصدر ضرر عندما يتجاوز حدوده فالعمل قيمة عظيمة لكنه إذا تحول إلى هوس أهمل الإنسان أسرته وصحته وأصبح يعيش تحت ضغط دائم والطعام نعمة لكنه إذا تحول إلى شراهة أصبح سببا للأمراض والنوم ضرورة لكنه إذا زاد عن حده تحول إلى كسل والمال وسيلة للحياة لكنه إذا أصبح غاية فقد الإنسان راحته وسعادته وكذلك الحب والغيرة والثقة والحرص وكل الصفات الجميلة قد تنقلب إلى عكسها عندما يغيب عنها الاتزان وفي عصرنا الحالي أصبح الإفراط أكثر انتشارا بسبب التطور التكنولوجي وسهولة الوصول إلى كل شيء فالهاتف المحمول الذي صنع لتسهيل الحياة أصبح عند البعض وسيلة لإهدار الساعات الطويلة ومواقع التواصل الاجتماعي التي خلقت للتواصل تحولت عند كثيرين إلى عالم بديل يسرق الوقت ويصنع المقارنات ويزيد الضغوط النفسية ويجعل الإنسان يعيش بعيدا عن واقعه الحقيقي حتى أصبحت العلاقات الإنسانية تتراجع أمام الشاشات وأصبحت الأسرة الواحدة تجلس في مكان واحد بينما يعيش كل فرد في عالم منفصل.

الإفراط في استخدام التكنولوجيا لم يعد مجرد عادة بسيطة بل أصبح قضية تؤثر في الصحة النفسية والجسدية إذ تشير دراسات عديدة إلى أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يرتبط بضعف التركيز واضطرابات النوم وزيادة القلق والعزلة الاجتماعية كما يؤثر في الأطفال والشباب بصورة أكبر لأنهم يقضون جزءا كبيرا من يومهم في متابعة المحتوى الرقمي على حساب التعلم والرياضة والأنشطة الاجتماعية ولا يقف الأمر عند التكنولوجيا فقط بل يمتد إلى الاستهلاك المفرط الذي أصبح سمة واضحة في كثير من المجتمعات حيث يسعى البعض إلى شراء أشياء لا يحتاجون إليها فقط لمجاراة الآخرين أو لإظهار مستوى اجتماعي معين فيتحول الدخل إلى أقساط والراتب إلى التزامات لا تنتهي ويصبح الإنسان يعمل فقط من أجل تغطية نفقات صنعها بنفسه دون ضرورة حقيقية وهنا يبدأ الشعور بالضغط المالي والتوتر المستمر.

ومن أخطر صور الإفراط أيضا الإفراط في الانفعال فهناك من يغضب بسرعة ويبالغ في ردود أفعاله ويحول المواقف البسيطة إلى أزمات كبيرة فيخسر أصدقاءه وأفراد أسرته وزملاءه في العمل لأن الكلمات التي تقال في لحظة غضب قد تترك جروحا لا تمحوها السنوات بينما كان يمكن احتواء الموقف بكلمة هادئة أو لحظة صمت أو قرار بالتأجيل حتى تهدأ المشاعر و أن الإفراط في الثقة بالآخرين قد يقود إلى خيبات مؤلمة لأن الثقة قيمة عظيمة لكنها تحتاج إلى حكمة وتدرج وتجربة بينما يؤدي منحها بلا حدود إلى استغلال البعض لهذه الثقة ولذلك فإن الاعتدال في التعامل مع الناس يحمي الإنسان من كثير من الصدمات ويجعله أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل.

وفي المقابل فإن الإفراط في الشك لا يقل خطورة لأنه يهدم العلاقات ويزرع الخوف ويقتل الطمأنينة ويجعل الإنسان يعيش في دائرة لا تنتهي من القلق والاتهامات لذلك فإن التوازن بين الثقة والحذر هو الطريق الصحيح لبناء علاقات صحية ومستقرة وأما في بيئة العمل فإن الإفراط في الطموح قد يتحول إلى عبء عندما يصبح الوصول إلى المناصب أهم من القيم والمبادئ فيبدأ البعض في التضحية براحتهم وصحتهم وأوقاتهم وعلاقاتهم الأسرية من أجل نجاح مهني لا يمنحهم السعادة التي كانوا يتوقعونها لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بالمناصب وحدها بل بقدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين حياته المهنية والشخصية.

وفي الحياة الأسرية يؤدي الإفراط في التدليل إلى صناعة شخصيات ضعيفة لا تتحمل المسؤولية كما أن الإفراط في القسوة ينتج شخصيات خائفة ومضطربة لذلك يحتاج الأبناء إلى التربية القائمة على الحب والحزم في الوقت نفسه حتى ينشأ جيل قادر على مواجهة الحياة بثقة ومسؤولية و أن الإفراط في الخوف يمنع الإنسان من خوض التجارب الجديدة ويجعله يضيع فرصا كثيرة بسبب القلق من الفشل بينما الإفراط في الجرأة قد يدفعه إلى قرارات متهورة تكلفه الكثير لذلك فإن الحكمة تكمن في دراسة الأمور ثم اتخاذ القرار دون تهور أو تردد مبالغ فيه ومن صور الإفراط التي أصبحت واضحة أيضا الإفراط في إطلاق الأحكام على الآخرين حيث أصبح كثيرون يبنون مواقفهم على مقطع قصير أو صورة أو منشور دون معرفة الحقيقة كاملة وهو ما يساهم في نشر الشائعات وإيذاء الأبرياء وإفساد العلاقات لذلك يحتاج المجتمع إلى ثقافة التحقق قبل الحكم والتفكير قبل النشر والتأكد قبل الاتهام.

ولا يمكن الحديث عن الإفراط دون الإشارة إلى أثره على الصحة النفسية والإنسان الذي يبالغ في التفكير يعيش قلقا دائما ويستنزف طاقته في توقع الأسوأ ويصنع في ذهنه مشكلات لم تحدث بعد بينما يمنحه الاعتدال قدرة أكبر على التعامل مع الواقع كما هو لا كما يتخيله ولذلك ينصح الخبراء دائما بتنظيم الوقت وممارسة الرياضة والاهتمام بالنوم والابتعاد عن مصادر التوتر المستمر لأن هذه العادات تساعد على استعادة التوازن النفسي وقد علمتنا التجارب أن معظم الأزمات الشخصية تبدأ من تجاوز الحدود فالإفراط في الكلام يكشف الأسرار والإفراط في الصمت يصنع سوء الفهم والإفراط في المزاح قد يفقد الإنسان احترام الآخرين والإفراط في الجدية يبعد الناس عنه والإفراط في العطاء دون تقدير للذات قد يؤدي إلى الاستغلال والإفراط في الاهتمام بالنفس قد يتحول إلى أنانية وكل ذلك يؤكد أن المشكلة ليست في السلوك نفسه وإنما في غياب الاعتدال.

لقد جاءت كل الشرائع والقيم الإنسانية لتدعو إلى الوسطية لأنها الضمان الحقيقي لاستقرار الفرد والمجتمع فالإنسان المعتدل أكثر قدرة على اتخاذ القرار وأكثر نجاحا في علاقاته وأكثر حفاظا على صحته وأكثر رضا عن حياته لأنه يدرك أن كل شيء له وقته وحدوده وأن السعادة لا تأتي من الكثرة بل من حسن الاستخدام وإن بناء مجتمع متوازن يبدأ من تربية الأبناء على قيمة الاعتدال وتعليمهم أن النجاح لا يعني الإفراط في المنافسة وأن القوة لا تعني القسوة وأن الحرية لا تعني غياب المسؤولية وأن الاستمتاع بالحياة لا يعني الإسراف أو إهدار الوقت أو المال كما يحتاج الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية إلى تعزيز هذه الثقافة من خلال تقديم نماذج إيجابية تشجع على التوازن في مختلف جوانب الحياة.

ويبقى الإنسان هو المسؤول الأول عن رسم حدود حياته لأنه وحده القادر على مراجعة عاداته وتصحيح مساره قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة فكل عادة تبدأ بخيار وكل تغيير يبدأ بقرار وكل نجاح يبدأ بإدراك أن الاعتدال ليس حرمانا وإنما هو فن إدارة الحياة بطريقة تحقق الاستقرار والرضا وفي النهاية تظل الحقيقة التي أثبتتها التجارب أن الإفراط في أمور الحياة هو أول طريق الخطأ لأن كل زيادة بلا ضابط تحمل في داخلها بذور الخسارة بينما يمنح الاعتدال الإنسان القدرة على الاستمتاع بما يملك دون أن يفقد نفسه أو صحته أو علاقاته أو مستقبله فالميزان الذي يحكم الحياة ليس كثرة ما نفعل ولا كثرة ما نملك وإنما قدرتنا على استخدام كل نعمة في موضعها الصحيح وبالقدر الذي يجعلها وسيلة للبناء لا سببا للهدم وطريقا للنجاح لا بداية للخطأ.

شارك هذا المنشور