أحيانًا نكتشف أننا لا نعيش بالطريقة التي نحبها فعلًا، بل بالطريقة التي نعتقد أنها ستجعل الآخرين يحبوننا.
نوافق حتى لا نغضب أحدًا، ونخفي بعض آرائنا، ونقارن خطواتنا بحياة أشخاص لا يشبهوننا، ثم نتساءل في النهاية: لماذا نشعر بالتعب رغم أن كل شيء يبدو طبيعيًا؟
في كتاب « أن تكون نفسك»، يحاول الكاتب شريف عرفة الاقتراب من معنى السعادة بعيدًا عن النصائح الجاهزة التي تطلب من الجميع أن يعيشوا بالطريقة نفسها.
فالكتاب، الذي يحمل عنوانًا فرعيًا هو « دليلك العلمي للسعادة والنجاح»، يناقش السعادة من خلال علم النفس الإيجابي، ويستعين بالأمثلة والتجارب لتوضيح علاقتها بشخصية الإنسان وأهدافه وعلاقاته ونظرته إلى الحياة.
– عندما نعيش بالشخصية التي ينتظرها الآخرون
منذ الصغر، يسمع الإنسان عبارات كثيرة عما يجب أن يكون عليه: كن أكثر هدوءًا، أو أكثر جرأة، أو اختر عملًا مضمونًا، أو تصرف مثل فلان، ومع تكرار هذه الرسائل يبدأ في الاعتقاد بأن شخصيته الحقيقية ليست كافية؛ يحاول أن يصبح نسخة مقبولة اجتماعيًا، فيغير طريقته في الكلام، ويخفي الأشياء التي يحبها، وربما يختار عملًا أو علاقة لا تناسبه فقط لأنهما يبدوان ناجحين في نظر الناس.
المشكلة أن الاستمرار في تمثيل شخصية مختلفة يحتاج إلى مجهود كبير، فالإنسان يراقب كل كلمة يقولها، ويقلق من ردود أفعال الآخرين، ويظل خائفًا من أن تظهر حقيقته في لحظة ما.
أن تكون نفسك لا يعني أن تتوقف عن التطور، بل أن تتطور في الاتجاه الذي يناسبك، لا أن تقضي عمرك في محاولة التحول إلى شخص آخر.
– المقارنة تخفي ما نملكه
تزداد المشكلة عندما نقارن حياتنا بما نراه حولنا، خصوصًا أن الناس غالبًا ما يعرضون أفضل ما لديهم، ولا يظهرون لحظات الفشل أو القلق أو الحيرة.
نرى شخصًا ناجحًا في عمله، فنظن أننا تأخرنا، ونرى علاقة تبدو مثالية، فنبدأ في الشك في حياتنا، وقد نحاول تقليد اختيارات الآخرين من دون أن نسأل أنفسنا إن كانت تناسب شخصياتنا وظروفنا أصلًا.
لكن الطريق الذي صنع سعادة شخص ما قد لا يصنع سعادتك، فالكتاب يوضح أن السعادة ليست وصفة واحدة تصلح للجميع، بل تتكون من عناصر تختلف أهميتها من شخص إلى آخر، وفقًا لقيمه واحتياجاته وطريقة فهمه للحياة.
– اعرف نفسك قبل أن تغيرها
لا يستطيع الإنسان أن يكون نفسه وهو لا يعرف ماذا يريد؛ لذلك تبدأ الرحلة من أسئلة بسيطة قد نتجنبها طويلًا: ما الأشياء التي تمنحني شعورًا حقيقيًا بالراحة؟ ما الذي أفعله فقط للحصول على إعجاب الآخرين؟ وما القيم التي لا أريد التخلي عنها؟
معرفة النفس لا تعني تبرير العيوب بعبارة « هذه طبيعتي»، فالشخص العصبي مثلًا لا يحق له أن يؤذي الآخرين ثم يرفض التغيير، والخجول لا يجب أن يسمح لخوفه بمنعه من كل تجربة جديدة.
هناك فرق بين تغيير عادة تؤذينا، وبين رفض شخصيتنا بالكامل، التطور الحقيقي يحسن النسخة الموجودة منا، لكنه لا يطلب منا أن نمحوها ونبدأ من الصفر.
– السعادة ليست ضحكًا طوال الوقت
يواجه الكتاب تصورًا شائعًا يقول إن الإنسان السعيد لا يحزن ولا يمر بأزمات، والحقيقة أن الفرق ليس في غياب المشكلات، بل في طريقة التعامل معها والقدرة على تجاوزها.
السعادة لا تعني أن يكون مزاجك جيدًا طوال اليوم، ولا أن تمتلك المال أو النجاح أو العلاقة المثالية، هذه الأشياء قد تساعد، لكنها لا تضمن وحدها الشعور بالرضا.
ويطرح الكتاب السعادة باعتبارها مزيجًا من العلاقات الجيدة، والإنجاز، والمتعة، والمعنى، والقدرة على التكيف مع الظروف.
قد يحقق الإنسان هدفًا انتظره سنوات، ثم يعتاد عليه بعد فترة قصيرة ويبدأ في البحث عن شيء آخر؛ لذلك لا تكمن الحياة كلها في الوصول، بل أيضًا في وجود معنى للطريق نفسه.
– لا تجعل إرضاء الناس هدفك
من الطبيعي أن نهتم بآراء من نحبهم، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح رضاهم هو المعيار الوحيد لكل قرار، وقتها قد نقول « نعم» بينما نريد الرفض، ونتحمل علاقات تستنزفنا، ونؤجل رغباتنا حتى لا يصفنا أحد بالأنانية.
لن يرضى الجميع عنك مهما حاولت، كما أن إرضاء شخص اليوم لا يضمن رضاه غدًا؛ لهذا نحتاج إلى وضع حدود واضحة، والتعبير عن آرائنا باحترام، وقبول أن الاختلاف لا يعني أننا سيئون.
في النهاية، لا يقدم كتاب « أن تكون نفسك» السعادة كجائزة يحصل عليها من ينجح في تقليد النموذج المثالي، بل كرحلة لفهم النفس وبناء حياة تشبه صاحبها.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى تغيير شخصياتنا، بل إلى التوقف عن محاربتها، وحين نعرف ما نريده، ونتقبل اختلافنا، ونسعى إلى تطوير أنفسنا من دون مقارنتها بالآخرين، يصبح العيش أقل إرهاقًا وأكثر صدقًا.