حازم الأنصاري
الواقع هو الشيء الوحيد الذي لا بد أن نعيشه فهو مرآة حية لانعكاس حياة مليئة بالحقائق وبعيدة كل البعد عن الزيف والمراوغات والمجاملات فربما يكون الواقع أحد أهم الدوافع التي تجعل الإنسان يعيش في سلام نفسي.
ولكن في الحقيقة نحن نعيش في زمن تعيش في الأجيال بعيدا عن الواقع ودائما تفكر عن قناعة في حياة مليئة بالترف المزيف و"المنجهة" غير الواقعية تاركين خلفهم خلق فكر نابع من واقعهم قد يساعد في تغيير الحياة للأفضل قدر المستطاع.
فصناعة الفكرٍ الحقيقي لا بد وأن يكون مؤثر ونابع من واقعنا المعاش لأن هذا لا يعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية، فالفكرة المستوردة أو الجاهزة قد تقدم حلولاً لمعادلات في بيئات أخرى، لكنه غالباً ما تعجز عن تفكيك شفرة الواقع المحيط بنا، مما يؤدي إلى فجوة بين ما نفكر فيه وما نعيشه.
فالأجيال في هذا الوقت حاليا لا بد من وأن يأتون بفكر أصيل مرتبط بالواقع الذي يعشونه ولكي يتمكنون من تحقيق ذلك لا بد من قراءة الواقع قراءة دقيقة لخلق إنتاج فكر واقعي لأنه من الطبيعي لا يمكن بناء فكر حقيقي دون تحقيق ملاحظة واعية عن الواقع الذي نعيش فيه، وأيضا الانغماس في التفاصيل تجعل الإنسان يفكر بشكل واقعي ويضع كل المقدرات في نصابها الصحيح وهذا لا يتم إلا من خلال متابعة سلوكيات الجماعة وأنماط الحياة المختلفة في الشارع والعمل والمنزل وداخل المؤسسات، فالدقة هنا مطلوبة للخروج بأفكار تساعد على تغيير الواقع ولكن شريطة تجاوز السطيحة والبحث بدقة في الجذور التاريخية والاجتماعية والنفسية التي شكلت الظواهر التي دفعتنا للبحث عن حلول نابعة من الواقع لتغييرها قدر المستطاع.
الجميع قد يرى أن الفكر النابع من الواقع قد يكون فكر مستقل بذاته ولكن في الحقيقة أن صناعة فكر مستقل لا تعني مقاطعة الفكر الإنساني العالمي، بل تعني الانتقال من دور المستهلك إلى دور المنتج، فعلينا أيضا أن نتعامل مع الأفكار العالمية سواء كانت فلسفية أو اقتصادية أو نفسية، كأدوات للفهم لا كقوالب مقدسة، ولكن كي يتم تحقيق ذلك لا بد وأن نتعامل مع الأمور بمقدراتها ونبدأ في طرح السؤال الأهم على الإطلاق كي تتحقق المعادلة وهو ما الذي يصلح منا لواقعنا وما الذي يحتاج إلى إعادة صياغة.
الإجابة على هذا السؤال قد تحقق المرجو والمطلوب فكلما اعتز الإنسان بهويته الثقافية استمد فكره القوي من جذوره وقيمه وتاريخه ويصبح قادر على إعادة إنتاج أفكاره بلغة العصر وأدواته، فليس الاعتزاز بالهوية فقط ولكن لا بد من التركيز على الفكر الوظيفي لأن الفكر النابع من الواقع هو فكر عملي بطبعه وليس فكراً تجريدياً يعيش في أبراج عاجية، ولا بد أيضا من الربط بين النظرية والتطبيق فيجب أن يتوجه الجهد الفكري نحو الإجابة على أسئلة الواقع الملحّة، وأيضا على الجيل الجديد أن يحول الأفكار إلى سلوك فالفكر الحقيقي هو الذي يتحول إلى نمط حياة ومنهج عمل ومبادرات تؤثر إيجاباً في المجتمع.
فلا بد من بناء عقلية واقعية تجعل الإنسان دائم التفكر في خلق أفكار واقعية شديدة الأهمية لأنه لابد وأن يستفاد منها ويفيد المجتمع الذي عيشه فإن الفكر النابع من واقعنا لا يولد في المختبرات المعزولة، بل يولد من رحم المعاناة والآمال اليومية لأنه يدفع بالأجيال أن تقول هذا نحن وهذه مشكلاتنا وهذه هي حلولنا بأيدينا.