في الماضي كانت الحروب تحتاج إلى جيوش وطائرات وهجوم مسلح لتدمير الدول وتفكيك المجتمعات، أما اليوم في عصر السوشيال ميديا بات الأمر أسهل بكثير وأقل تكلفة فكل ما يتطلبه الأمر هو "كذبة واحدة" تصاغ بذكاء، وتنشر في التوقيت المناسب ليقوم الناس أنفسهم بمهمة تدمير مجتمعاتهم بأيديهم لكن، كيف يحدث ذلك؟
إن السوشيال ميديا لا تنشر المعلومات بناءا على قيمتها الأخلاقية أو صدقها، بل بناءا على قدرتها على إثارة العواطف والكذب بطبيعته، يمتلك جاذبية شديدة لأنه يركز على أخطر غريزتين بشريتين: الخوف والغضب، وعندما يقرأ شخص كذبة تفيد بأن هناك خطرا يهدد عائلته أو دينه أو لقمة عيشه، يتوقف عقله التحليلي عن العمل فورا، ويتحرك بدافع الغريزة لحماية نفسه، فيقوم بمشاركة المنشور دون أن يتأكد من صحته.
هنا تبدأ المنصات الرقمية دورها، إذ تلتقط هذا التفاعل العالي وتفرضه كـ "تريند" على ملايين الشاشات، ومع تكرار رؤية الكذبة من قبل آلاف الحسابات، يتحول الوهم في وعي الناس إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
فالأكاذيب الهدامة لا تخرج عشوائية، بل تصوب عادة نحو شريحة معينة داخل المجتمع (عرق، أو دين، أو طبقة معينة)، وتتهمها بارتكاب فعل شنيع، هذا الاتهام يمزق خيوط الثقة والتعايش التي بنيت عبر مئات السنين، فيتحول الجار الصديق فجأة إلى عدو محتمل، ويحل الشك محل الأمان، وينقسم المجتمع إلى معسكرات متناحرة، وهو ما يزيد الأمر خطورة إذ يجد "صناع الفتن" بيئة مثالية لبث سمومهم خلف حسابات وهمية وأسماء مستعارة.
لذلك ينتقل الانفجار من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، حيث تنزل الحشود الغاضبة والمشحونة بالوهم إلى الشوارع، وتبدأ في التخريب والاعتداء وإشعال الفتن، وعندما تسيل الدماء بناءا على إشاعة، يكون المجتمع قد سقط بالفعل في الفخ، ويصبح من المستحيل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
إن الكذبة على السوشيال ميديا ليست مجرد منشور فحسب، بل هي عود ثقاب يلقى في حقل من القش، وحماية مجتمعاتنا اليوم لم تعد تتطلب الدفاع عن الحدود الجغرافية فقط، بل تتطلب وعيا رقميا وشعارا يرفعه كل منا قبل الضغط على زر المشاركة: "تبينوا قبل أن تهدموا".