كتب: وائل محمد
في زمنٍ أصبح فيه العالم قرية صغيرة، أصبح الإنسان غريبًا عن بيته.
نستيقظ على موسيقى من دولة، ونشاهد مقاطع من قارة أخرى، ونردد كلمات بلغة لا نعرفها، ونقلد أشخاصًا لم نلتقِ بهم يومًا. بضغطة إصبع، أصبح بإمكاننا أن نعبر العالم كله، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زلنا نعرف من نحن؟
المشكلة ليست في الانفتاح على العالم، فالحضارات لا تنمو وهي مغلقة على نفسها. المشكلة أن يتحول الانفتاح إلى ذوبان، وأن يتحول الإعجاب بالآخر إلى نسيان الذات.
الهوية ليست الزي الذي نرتديه، ولا الأكلات التي نحبها، ولا الأغاني التي نحفظها. الهوية هي ذلك الشعور العميق بالانتماء. هي اللغة التي نفكر بها قبل أن نتحدث، والقيم التي نحتكم إليها عندما نختلف، والذكريات التي تربطنا بأماكن لم تعد كما كانت، لكنها ما زالت تعيش داخلنا.
ومواقع التواصل الاجتماعي لا تسرق الهوية بالقوة، بل تفعل ذلك بهدوء.
تجعل الجميع يتحدثون بالطريقة نفسها، ويضحكون على النكات نفسها، ويركضون خلف الترند نفسه، حتى يصبح الاختلاف أمرًا غريبًا. شيئًا فشيئًا، يبدأ الإنسان في ارتداء شخصية رقمية تشبه الجميع، بينما تتراجع ملامحه الحقيقية إلى الخلف.
ولذلك، فإن الحفاظ على التراث لا يعني أن نحول الماضي إلى متحف، بل أن نجعله جزءًا من حاضرنا.
عندما نحكي لأطفالنا حكايات أجدادهم، نحن لا نروي قصة قديمة، بل نزرع جذورًا تمنعهم من أن تقتلعهم رياح الزمن. وعندما نحافظ على لغتنا، ونفتخر بتاريخنا، ونورث أبناءنا العادات الجميلة التي صنعت شخصيتنا، فنحن لا نقاوم التطور، بل نمنحه أساسًا يقف عليه.
فالشجرة لا تخجل من جذورها وهي تمتد نحو السماء.
بل كلما كانت جذورها أعمق، استطاعت أن ترتفع أكثر.
ولهذا، لا يوجد تعارض بين أن نتعلم أحدث التقنيات، وأن نحافظ في الوقت نفسه على هويتنا. يمكن أن نستخدم الذكاء الاصطناعي، ونتحدث بلغات العالم، ونسافر، ونتعلم، وننافس الجميع، دون أن نفقد ملامحنا أو نتخلى عن قصتنا.
فالإنسان الذي يعرف أصله، لا يخاف من المستقبل.
أما الذي يقطع جذوره، فقد يبدو قويًا لبعض الوقت، لكنه يسقط مع أول عاصفة.
وفي النهاية، لا يُقاس تقدم الأمم بعدد التطبيقات التي تستخدمها، ولا بسرعة الإنترنت فيها، بل بقدرتها على أن تدخل المستقبل دون أن تترك ماضيها خلفها.
لأن الحضارة لا تُبنى بالتقليد، بل بالهوية.
والتراث ليس عبئًا نحمله على أكتافنا، بل بوصلة تذكرنا دائمًا بالطريق عندما تزدحم الدنيا بالاتجاهات.
وفي عصر تتغير فيه الوجوه والأفكار كل يوم، تبقى الهوية هي الشيء الوحيد الذي يمنح الإنسان شعورًا نادرًا بالثبات. هي البيت الذي نعود إليه مهما ابتعدنا، والصوت الذي يهمس في داخلنا: "قد تتغير الدنيا كلها… لكن لا تنسَ أبدًا من تكون".