الإدارة كفن لصناعة الحكمة: لماذا تنجح الشركات في توليد المعرفة؟

بقلم- أحمد الحنفي

في عالم الأعمال المعاصر، لم تعد الموارد المالية أو الأصول الملموسة هي المعيار الوحيد لقوة المؤسسات أو قدرتها على الصمود في وجه تقلبات الأسواق. لقد أثبتت التجارب الدولية أن هناك "جوهرًا غير مرئي" هو المحرك الحقيقي للابتكار، وهذا الجوهر يتجسد في كيفية إدارة المعرفة البشرية.

لقد قدّم الخبيران إيكوجيرو نوناكا وهيروتاكا تاكيوتشي في مؤلفهما المرجعي "شركة خلق المعرفة" رؤية إدارية تعيد الاعتبار للإنسان داخل المؤسسة، محولين الإدارة من علمٍ جامد للأرقام والبيانات إلى فنٍ حي لاستنطاق الخبرات البشرية.

جوهر الابتكار: الإنسان قبل الآلة

تتجاوز الفلسفة التي طرحها نوناكا وتاكيوتشي مفاهيم الإدارة التقليدية التي كانت تنظر إلى المعرفة كشيء ثابت يُخزن في الأرشيفات والملفات.

يجادل الكتاب بأن المعرفة هي عملية ديناميكية مستمرة، تولد من رحم التجربة الشخصية، وتتشكل عبر التفاعل الإنساني المباشر.

إن سر التميز لا يكمن في ما تمتلكه الشركة من سجلات، بل في قدرة هذه الشركة على استخراج "المعرفة الضمنية" التي يحملها الموظفون في عقولهم ومهاراتهم ووجدانهم.

هذه المعرفة، بكونها شخصية وغير مدونة، هي الكنز الحقيقي الذي لا يمكن للشركات المنافسة تقليده أو سرقته.

دورة التفاعل: تحويل الخبرة إلى رؤية مؤسسية
إن العملية التي وصفها الكتاب، والتي تعتمد على أربع مراحل أساسية، تمثل في جوهرها "دورة حياة" للفكرة داخل المؤسسة. تبدأ بالتنشئة الاجتماعية، حيث يتشارك الأفراد خبراتهم عبر العمل المشترك والتعلم بالقدوة، مما يخلق بيئة من التفاهم المتبادل.

ثم تأتي مرحلة تحويل هذه الخبرات الضمنية إلى مفاهيم صريحة، وهي عملية تستلزم "الترجمة" من لغة الحدس إلى لغة الأهداف والاستراتيجيات.

بعد ذلك، تأتي مرحلة دمج هذه المفاهيم في هيكل الشركة، لتصبح جزءاً من النظام المؤسسي. وأخيراً، تعود هذه المعرفة إلى الموظف كقيمة مضافة، حيث يستوعبها كجزء من خبرته العملية اليومية.

إنها دورة لا تنتهي من التعلم المؤسسي التي تضمن للشركة تجدداً دائماً.

المساحة الحيوية: مفهوم "با" (Ba)
لا يمكن أن يحدث هذا التفاعل المعرفي في فراغ. يطرح الكتاب مفهوم "با"، وهو المصطلح الذي يشير إلى الساحة أو الفضاء الذي يلتقي فيه الأفراد ليتبادلوا الأفكار.

ليس "با" مجرد مكتب أو غرفة اجتماعات، بل هو حالة ذهنية ومكانية تتسم بالثقة والانفتاح.

في المؤسسات الناجحة، يُعد توفير هذه المساحة مسؤولية قيادية؛ حيث يجب على الإدارة أن تهيئ الظروف التي تسمح للموظفين بالتعبير عن أفكارهم دون خوف، وأن تعزز من قنوات التواصل الأفقي التي تكسر حواجز البيروقراطية.

إن الشركات التي تفشل في خلق "با" هي شركات تعاني من "فقر المعرفة"، مهما كانت مواردها التقنية ضخمة.

المدير المتوسط: صانع الجسور في المؤسسة
يُعطي نوناكا وتاكيوتشي دوراً محورياً للمدير المتوسط، بعيداً عن النظرة التقليدية التي تراه مجرد أداة تنفيذية.

في هذا الكتاب، يبرز المدير المتوسط كـ "مهندس للمعرفة" وجسر حيوى بين رؤية الإدارة العليا، التي قد تكون مجرد أفكار طموحة ومجردة، وبين الواقع العملي الذي يلمسه العمال والموظفون في الميدان.

المدير المتوسط هو الذي يترجم "الرؤية" إلى "واقع"، وهو الذي يجمع بين طموحات القيادة وخبرات القاعدة العريضة، ليصوغ منها سياسات عملية قابلة للتطبيق.

هذا الدور يمنح الإدارة المتوسطة قيمة استراتيجية، حيث تُعد هي المصنع الحقيقي للابتكار داخل أروقة المؤسسة.
نحو فلسفة إدارية إنسانية
في نهاية المطاف، تدعونا أفكار نوناكا وتاكيوتشي إلى إعادة تقييم نظرتنا للمؤسسة. إن المؤسسة ليست مجرد آلة لإنتاج الأرباح، بل هي مجتمع من البشر يمتلكون طاقات معرفية هائلة.

النجاح لا يتحقق من خلال السيطرة والرقابة، بل من خلال خلق "ثقافة الابتكار" التي تشجع على التفاعل والتعلم المستمر.

إن التحدي الحقيقي أمام القيادات اليوم ليس في امتلاك أقوى البرامج أو أحدث المعدات، بل في قدرتها على إدارة العقول، واستثمار الخبرات، وبناء مساحات حيوية تمكن المعرفة من التدفق بسلاسة من فرد إلى آخر، ومن فكرة إلى مشروع، ومن حلم إلى واقع ملموس يضمن استمرار المؤسسة في الريادة والنمو في عالم لا يعترف إلا بالأفكار التي تولد من التفاعل الإنساني الصادق.

إن هذه الرؤية الإدارية التي وضع أسسها نوناكا وتاكيوتشي لا تزال صالحة لكل زمان، فهي لا تعتمد على اتجاهات تكنولوجية عابرة، بل تستند إلى الطبيعة البشرية في التعلم والتعاون، مما يجعلها درساً أساسياً لكل من يسعى لبناء كيان مؤسسي قوي ومستدام وقادر على الابتكار من الداخل.

شارك هذا المنشور