من أين تأتي الأفكار الجيدة؟.. اتبع هذه الخطوات واصنع مستقبلاً جديدًا

تلخيص: نهاد القادوم

أحيانًا قد تأتيك فكرة وأنت تقود سيارتك، أو تتحدث مع صديق، أو تقرأ جملة لا علاقة لها بما يشغل بالك، فجأة تشعر أن قطعًا متفرقة تجمعت في رأسك، وأن شيئًا جديدًا وُلد في لحظة واحدة؛ فقرر الكاتب ستيفن جونسون في هذا المؤلف أن يغير صورتنا عن الإبداع والعبقرية بالإجابة عن عدد من التساؤلات..

هل تولد الأفكار بسرعة؟

يحاول الكاتب ستيفن جونسون في كتابه « من أين تأتي الأفكار الجيدة؟» تفكيك الصورة الشهيرة للمخترع الذي يجلس وحيدًا، ثم تضيء في رأسه فجأة فكرة تغير العالم، حيث اعتبر الكاتب إن هذه الصورة درامية وجذابة، لكنها لا تعبر بدقة عن الطريقة التي يظهر بها الابتكار.

يعتقد جونسون إن الأفكار الجيدة لا تأتي غالبًا من العدم، ولا تُصنع داخل عقل معزول، بل تنمو ببطء، وتتغذى على تجارب سابقة، ومعلومات متفرقة، ولقاءات عابرة، وأخطاء لم تكن محسوبة وبناءًا على ذلك الفكرة ليست شرارة منفردة، بل شبكة من العلاقات.

لا اختراع يبدأ من الصفر

نميل عادة إلى ربط الاختراعات بأسماء أفراد، فنقول إن شخصًا ما اخترع الهاتف، وآخر اكتشف نظرية، وثالث ابتكر تقنية جديدة، لكن جونسون يرى أن كل فكرة كبيرة تقف خلفها أفكار أخرى سبقتها ومهدت لها الطريق؛ فلا يمكن تخيل ظهور تطبيقات التواصل المرئي قبل اختراع الإنترنت، وتطور الكاميرات الرقمية، وانتشار الهواتف الذكية، وتحسن سرعة الاتصال.

ربما كان من الممكن أن يحلم شخص بالفكرة قبل عشرات السنين، لكن تنفيذها كان مستحيلًا لأن الأدوات المطلوبة لم تكن موجودة بعد؛ فأطلق جونسون على ذلك مسمى «الممكن المجاور»؛ أي أن كل مرحلة من المعرفة تفتح أمامنا مجموعة من الأبواب الجديدة، لكننا لا نستطيع فتح كل الأبواب دفعة واحدة، حيث يشبه الأمر دخول غرفة تحتوي على عدة أبواب عندما تفتح أحدها تصل إلى غرفة جديدة؛ فتظهر أمامك أبواب لم تكن تراها من قبل، وهكذا يتحرك الابتكار خطوة بعد أخرى، لا بقفزة سحرية واحدة.

المقاهي ليست فقط لشرب القهوة

يتوقف الكاتب جونسون طويلًا أمام الأماكن التي تساعد الأفكار على الظهور .. لماذا ازدهرت الثقافة والعلوم في مدن بعينها؟ ولماذا ارتبطت المقاهي قديمًا بالكُتاب والمفكرين والمخترعين؟ مشيرًا إلى أن المقاهى على سبيل المثال لم تكن السر، بل اللقاءات التي صنعتها تلك الأماكن.

في المقهى كان العالم يجلس بالقرب من التاجر، والكاتب يلتقي بالسياسي، والمسافر يحكي أخبارًا من بلد بعيد، كانت الأفكار تتحرك من شخص إلى آخر، وتختلط خبرات لم يكن من المعتاد أن تجتمع في مكان واحد؛ فوصف جونسون هذه البيئة باسم «الشبكة السائلة» فهي ليست جامدة؛ فتمنع الحركة، وليست فوضوية؛ فتضيع فيها الأفكار. إنها بيئة تسمح للناس بالحديث، والتجربة، والتعاون، مع وجود قدر كافٍ من الاستقرار يساعد الفكرة على النضج.

وفي يومنا هذا يمكن أن تقوم الجامعات والمختبرات ومساحات العمل المشتركة وحتى المنصات الرقمية بالدور نفسه، بشرط أن تسمح بتبادل حقيقي للمعرفة، لا أن يتحول كل شخص إلى دائرة مغلقة لا يسمع فيها إلا من يوافقه.

بعض الأفكار تحتاج إلى سنوات «مفهوم الحدس البطيء»

من خلال التجربة يعي غالبيتنا أن الفكرة لا تظهر دائمًا مكتملة أحيانًا، ربما تبدأ بإحساس غامض أو ملاحظة صغيرة أو سؤال بلا إجابة، فيشعر الإنسان بأن هناك رابطًا بين شيئين، لكنه لا يستطيع تفسيره بعد، وقد يبقى هذا الحدس في العقل شهورًا أو سنوات، حتى يقرأ صاحبه معلومة جديدة، أو يقابل شخصًا يملك جزءًا ناقصًا من الصورة، أو يمر بتجربة تجعل الفكرة فجأة أكثر وضوحًا.

كما أن مشكلة عصر السرعة الذي نعيشه الآن لا يمنح الأفكار الناقصة فرصة كبيرة؛ المؤسسات تريد نتائج فورية، والاجتماعات تبحث عن حلول جاهزة، والناس تخشى التحدث عن فكرة لم تكتمل بعد.

وتناول جونسون هذا الأمر بل واعتبره من أهم الأفكار التي طرحها في كتابه؛ موضحًا أن الفكرة غير المكتملة ليست فكرة ضعيفة، ربما تكون فقط نصف فكرة تبحث عن نصفها الآخر، ولذلك أشار إلى أن كتابة الملاحظات والعودة إليها من وقت لآخر وسيلة مهمة لحماية الخواطر من النسيان؛ فجملة تسجلها اليوم قد تتحول بعد عام إلى مشروع كامل.

المصادفة وحدها لا تكفي

ترتبط بعض الاكتشافات بحوادث عابرة أو نتائج لم يكن أحد ينتظرها، لكن الكتاب يوضح أن المصادفة لا تصنع الابتكار وحدها؛ فقد يمر عشرات الأشخاص بالموقف نفسه، لكن شخصًا واحدًا فقط ينتبه إلى معناه.

الحظ قد يضع المعلومة أمامك، لكن الفضول والخبرة هما ما يجعلانك ترى قيمتها؛ لذلك تزيد فرص ظهور الأفكار حين يقرأ الإنسان خارج تخصصه، ويتحدث مع أشخاص مختلفين، ويمنح نفسه فرصة للخروج من المسار المعتاد، أحيانًا يكون حل المشكلة موجودًا في مجال آخر تمامًا، لكنه يحتاج إلى من يراه وينقله إلى مكان جديد.

الاكتشاف العظيم قد يأتي من الخطأ

في المدرسة والعمل نتعلم غالبًا أن الخطأ شيء يجب تجنبه، لكن تاريخ الابتكار يكشف أن بعض النتائج الخاطئة فتحت أبوابًا لم يكن أحد يبحث عنها، ولا يعني ذلك أن كل فشل سيقود إلى اختراع مهم، لكن النتيجة غير المتوقعة قد تكشف أن السؤال نفسه كان ناقصًا، أو أن التجربة تحمل معنى آخر لم يُلاحظ من قبل.

البيئة المبدعة لا تمنع الخطأ تمامًا، لأن منع الخطأ يعني غالبًا منع التجارب، لكنها تحاول الاستفادة منه، وتسأل: ماذا تعلمنا؟ ولماذا لم تسر الأمور كما توقعنا؟

يرى الكاتب أن الابتكار قد يبدأ حين نستخدم أداة قديمة في وظيفة جديدة، فالكثير من التقنيات والأدوية والاختراعات لم تنجح في الغرض الذي صُنعت من أجله، ثم اكتشف الناس فائدتها في مجال مختلف، فيوضح إن المبتكر ليس من يصنع كل شيء من البداية، بل من ينظر إلى الأشياء الموجودة ويسأل: هل يمكن أن نستخدمها بطريقة أخرى؟
الإبداع في كثير من الأحيان ليس اختراع مكونات جديدة، بل إعادة ترتيب المكونات المتاحة بصورة لم يفكر فيها أحد من قبل.

الأفكار تنمو فوق أفكار أخرى

يتحدث الكتاب أيضًا عن المنصات، وهي الابتكارات التي لا تقدم حلًا واحدًا فقط، بل تسمح بظهور آلاف الحلول الجديدة فوقها، والإنترنت مثال واضح فهو لم يكن مجرد اختراع انتهى العمل عليه، بل أصبح أرضًا بُنيت عليها محركات البحث، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الرقمي، وشبكات التواصل، وتطبيقات لا حصر لها، ولذا فتصبح
قيمة المنصة لا تكمن فقط فيما تفعله، بل فيما تسمح للآخرين بأن يفعلوه.

العبقري لا يعمل وحده

في النهاية، هدم جونسون أسطورة العبقري المنعزل، مؤكدًا على إن أذكى الأشخاص يحتاجون إلى الآخرين، إلى معلومة قرأوها، ونقاش خاضوه، وخطأ تعلموا منه، وبيئة سمحت لهم بالتجربة.

المجتمعات الأكثر ابتكارًا ليست بالضرورة التي تضم أكبر عدد من الأذكياء، بل التي تسمح للأفكار بأن تتحرك، وتلتقي، وتبقى حية مدة كافية حتى تنضج؛ فبدلًا من الجلوس أمام صفحة فارغة وانتظار المعجزة، يمكننا أن نقرأ أكثر، ونختلط بأشخاص مختلفين، ونسجل ملاحظاتنا، ولا نسارع إلى قتل الأفكار الناقصة.
ربما تبدأ الفكرة الكبيرة من سؤال صغير، أو خطأ غير مقصود، أو حديث عابر في مقهى، فالأفكار ليست ملكًا لشخص واحد من الأساس، بل نتيجة لقاء طويل بين عقول كثيرة، لم يكن أي منها قادرًا على الوصول إليها وحده.

شارك هذا المنشور