كتب إسراء محمود
في منتصف الثلاثينات من عمره، يقف حسام حائرا في مساحة رمادية ضيقة بين طموح يرفض الانطفاء، وواقع معيشي يزداد شراسة يوما بعد يوم.
الشاب الذي يمثل شريحة كبيرة من جيله، يحمل في جعبته حلما بسيطا: تأسيس مشروعه الخاص الذي يضمن له و لعائلته حياة كريمة، لكن هذا الحلم بصطدم شهريا براتب أساسي لا يتجاوز 12 ألف جنيها لتبدأ رحلة المعاناة اليومية.
تتطلب أسرة حسام مصروفات شهرية تتخطي 11 ألف جنيه، مايضطره للإستدانة في بعض الأحيان، فهو رب أسرة ويعول طفلين في مراحل عمرية و تتطلب أسرته نفقات لاتهدأ بين ايجار و مرافق و مصروفات مدرسية و مواصلات و الطعام و الملبس و متطلبات معيشة أساسية ، حينها يجد نفسه أمام معادلة في الحل: كيف يمكن لـ12 ألف جنيه أن تلبي كل هذه الإلتزامات و تترك مساحة للإدخار.
في ظل ذلك لم يقف حسام مكتوف الأيدي، بل قرر البحث عن مخرج وتوجه للعمل في وظيفة اضافية بعد الظهيرة؛ لكن هذه الخطوة التي بدت أنها ستحل الأزمة تحولت إلى عب جديد؛فالراتب الزهيد أصبح عبئا ماليا لا يتناسب اطلاقا مع المجهود المبذول، علاوة على طبيعة العمل الإضافي غير المستقرة و تغير مواعيد العمل؛ ما تسبب في اقتطاع جزء كبيرمن هذا الراتب الضعيف نتيجة التأخير غير المقصود وتداخل المواعيد.
و في نهاية كل شهر، يجد حسام نفسه مستهلكا دون عائد خقيقي يدفعه إلى الأمام خاصة في ظل تدبير جزء من راتبه الأساسي؛ كي يجمع مبلغا صغيرا يكون نواة لمشروعه لكن التضخم و ارتفاع الأسعار المتتالي كانا دائما بالمرصاد، فكلما نجح في اقتطاع مبلغ بسيط جاءت موجة غلاء جديدة تلتهم ما ادخره لتغطية العجز في مصروفات المنزل الأساسية.
فكرة الاقتراض من البنك لتمويل مشروعه كانت البطاقة الأخيرة لحل مشكلته،لكن الفكرة ذاتها باتت كابوسا يؤرق نوم حسام، فالمعادلة شديدة الحساسية و الخطورة إما الاستسلام للأمر الواقع و الستمرار في ساقية العمل اليومي بلا أمل في التغيير أو المغامرة أو يحص على قرض وفي حالة تعثر المشروع سيكون السجن هو المصير المحتوم في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة.
قصة حسام ليست فردية بل انعكاس لجيل كامل يمتلكون الأفكار والرغبة في الانتاج لكنهم يصطدمون بتعقيد الآليات الآمنة للتمويل .
يقول أحد خبراء الاقتصاد البارزين أن مشكلة الشباب الحقيقة ليست قلة الدخل لكن ثقافة الاستهلاك الفوري و غياب التخطيط المالي، فهناك خطأ شائع أن الشباب يدخرون ما يتبقي بعد الانفاق لذا يجب عليهم تقسيم الدخل الشهري الى 50 % ايجار و فواتير و مواصلات و طعام أساسي و 30% للترفيه والتسوق و 20 % للادخار وهذا الجزء يقتطع مع بداية الشهر .
كما ينصح بعض خبراء التمويل الشباب بفتح حساب بنكي فرعي بدون بطاقة صرف آلي، عملا بالمثل الانجليزي" ما لاتراه عينك لا تصرفه يدك" ، مع الاهتمام بتقليل النفقات اليومية الاستهلاكية مثل الوجبات السريعة و المقاهى و الاشتراكات و التطبيقات، وهناك قاعدة جوهرية قبل شراء أي شيء ترفيهي انتظر 48 ساعة اذا وجدت نفسك ما زلت بحاجة إليه،فإقتني هذا الشيء فورا ،ومن المرجح إنك ستجد أن الرغبة مجرد اندفاع لحظي.
ونصحوا بوجوب استثمار هذه المدخرات في صندوق استثماري منخفض المخاطر مثل الذهب، فالادخار لا يعني الحرمات أو الحياة في ظل تقشف؛ بل هو ترويض للرغبات غير الأساسية ووجود وسادة أمان مالي تغطي المصاريف الشخصية لمدة 3 إلى 6 أشهر و تقليص الانفاق غير المرئي من أجل الحصول على فرصة استثمارية جيدة.