النمو الحقيقي.. لماذا يحتاج الاقتصاد إلى الإنتاج أكثر من التمويل؟

بقلم/ شروق الخطيب

لا يكفي أن يحقق الاقتصاد معدلات نمو مرتفعة على الورق، إذا لم تنعكس هذه الأرقام على حياة المواطنين وفرص العمل ومستويات الدخل، لذلك يرى عدد من خبراء الاقتصاد أن مصر تحتاج إلى الحفاظ على معدل نمو حقيقي يتراوح بين 7 و8% سنويا لعدة سنوات متتالية، حتى تتمكن من الانتقال من مرحلة استعادة الاستقرار إلى مرحلة التنمية الاقتصادية المستدامة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة الناتج المحلي الإجمالي، بل بقدرة الاقتصاد على استيعاب مئات الآلاف من الداخلين إلى سوق العمل كل عام، وتحسين مستويات المعيشة، وخفض نسبة الدين العام، وزيادة الإيرادات، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي كمصدر رئيسي لتوفير النقد الأجنبي، ورغم أهمية معدلات النمو الحالية، فإنها تظل غير كافية لإحداث تحول اقتصادي شامل، حيث تساعد على الحفاظ على الاستقرار وتحسين بعض المؤشرات، لكنها لا تعالج بمفردها التحديات الهيكلية، ولا تحقق القفزة المطلوبة في الإنتاجية أو في دخول المواطنين.
ويرى خبراء أن الفارق الحقيقي لا يكمن في حجم النمو فقط، وإنما في مصدره، فالنمو القائم على الاقتراض أو التدفقات المالية المؤقتة قد يوفر سيولة لفترة محدودة، لكنه لا يبني اقتصادا قادرا على الاستمرار، أما النمو المعتمد على الإنتاج والاستثمار الحقيقي، فيخلق قيمة مضافة، ويوفر فرص عمل مستقرة، ويزيد من قدرة الدولة على تحقيق إيرادات مستدامة.
ولهذا تبرز أهمية توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة، والزراعة الحديثة، والتكنولوجيا، والخدمات الرقمية، والسياحة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على رفع الإنتاجية وزيادة الصادرات وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي، كما يمثل القطاع الخاص أحد أهم محركات النمو المستدام، نظرا لدوره في الابتكار ورفع كفاءة الإنتاج وجذب الاستثمارات، وكلما زادت مساهمته في النشاط الاقتصادي، أصبح الاقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المتغيرات العالمية، مع تقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر تحقيق النمو على زيادة الإنتاج فقط، بل يرتبط أيضا بتحسين جودة التعليم، وتطوير التدريب الفني، ودعم البحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، باعتبارها عوامل أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد على المدى الطويل، ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، يظل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات، من خلال السيطرة على معدلات التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وإدارة الدين العام بكفاءة، فالإصلاح الهيكلي والاستقرار المالي يمثلان ركيزتين متكاملتين، لا يمكن لأحدهما أن يحقق أهداف التنمية دون الآخر، ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية هو انعكاسها على حياة المواطنين، فعندما ترتفع الدخول الحقيقية، وتتوسع فرص العمل، ويزداد الإنتاج والتصدير، ويتراجع الاعتماد على التمويل الخارجي، يصبح النمو الاقتصادي واقعا ملموسا يشعر به المواطن، وليس مجرد أرقام تعكسها التقارير والإحصاءات.

شارك هذا المنشور