المصري بطبعه محب للحياة.. سر الابتسامة التي لا تنكسر

اعتاد الشعب المصري أن يجعل المحنة منحة، الحزن فرحة، الاعتراض بصورة ساخرة تجنبه الوقوع تحت طائلة المسؤولية، لكن هل تسألت عن سر الابتسامة التي لا تنكسر مهما كانت الأزمات؟

يعرف شعوب العالم عن الأمة المصرية أنها دائمًا قوية مبتسمة، فهي تخفي آلامها وأوجاعها خلف الابتسامة والسخرية كي تتمكن من الانتصار سريعًا، حتى احتار أمامهم الجميع وأصبحت في المحافل الدولية الأصوات تردد : "يا مصر بتعمليها ازاي؟!".

وبالعودة لجذور الروح المصرية التي جعلت الدعابة والسخرية نمط حياة، آمن القدماء بأن العالم خُلق من الضحك، وجعلوا له إلهًا عرف باسم "بس"، والذى كان يصور على هيئة قزم منتفخ الوجنتين، وله ذقن تشبه المروحة، وترتسم على وجهه علامات الوجوم لتثير الرعب فى نفوس الأشرار.

ودون المصري عبر الرسوم الجدارية العديد من المواقف التي تعبر عن سخريته من آلام الواقع ومعاناته بالابتسامة والسخرية، ومنها صورة الراعى المسكين وهو يجر بقرة ثمينة بصورة مبالغ فيها؛ وقد امتلأ ضرعها باللبن حتى ليكاد يلامس الأرض، في إشارة للتفاوت الشديد بين عمله وأجره.

وتعامل المصري مع المحتل بقوة النكتة، فيذكر الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»: لقد نكت المصريون على الباشا التركى وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها «يا باشا يا عين القملة مين قال لك تعمل دى العملة ويا باشا يا عين الصيرة مين قال لك تدبر دى التدبيرة».

وقد تبحر العلماء والأدباء والمؤرخين في دراسة النكتة المصرية وتاريخها وأعلامها، واحتاروا في وصفها كحالة هل تعكس تناقضا أم فلسفة خاصة لهذا الشعب، حيث علق (ابن خلدون) عند رؤيته المصريين بقوله: "أهل مصر كأنهم قد فرغوا من الحساب"؛ يريد بذلك أنهم لا يطيلون النظر في العواقب. وتبعه في ذلك تلميذه (المقريزي) فقال: "من أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب، وعدم الإمعان في حساب العواقب يستتبع الفرح والمرح، لأن الإنسان إذا لم يفكر في العواقب لم يحمل هماً، فيكون مجال النكت عنده فسيحاً".

مؤخرا، أجرى الباحث الألماني راينر شتولمن دراسة انتهت إلى أن الشعب المصري يتمتع بروح الفكاهة وخفة الدم أكثر من غيره، ومقارنة مع الشعوب المجاورة له، أو على مستوى العالم، على الرغم من الظروف الاقتصادية التي يعانيها المصريون.

وفسر هذه النتيجة انطلاقاَ من أن الضحك يعد المنفذ الوحيد للإنسان الذي يشعر بعدم الرضا عن وضعه، فيعبر بواسطته عن غضبه على الوضع الذي يصعب تغييره.

ووصل الأمر إلى القول أن المصري ينفجر عند توقفه عن إنتاج النكات أو القدرة على السخرية، فهل لا زلت تسأل: يا مصر بتعمليها ازاي؟!

شارك هذا المنشور