مئات الآلاف من المصريين لا يعرف معنى الاقتصاد التشاركي، وكثير من الذين يعرفونه لا يستخدموه في حياتهم التجارية، مع العلم أنه أحد أبرز التحولات التي يشهدها سوق العمل العالمي، بعدما نجح في تقديم نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على مشاركة الموارد والخدمات عبر المنصات الرقمية، بدلاً من الاعتماد على أنماط التوظيف التقليدية، ومع التوسع في استخدام الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية، تحول هذا النموذج إلى محرك رئيسي لخلق فرص العمل، وتوفير مصادر دخل مرنة لملايين الأفراد حول العالم.
وقبل أي شيء علينا أن نصف الاقتصاد التشاركي بأنه يركز على الاستفادة من الأصول والمهارات المتاحة، سواء كانت سيارة أو مسكنًا أو خبرة مهنية أو وقتًا يمكن استثماره في تقديم خدمات متنوعة عبر المنصات الإلكترونية، وهو ما يقلل من تكلفة دخول سوق العمل ويتيح للأفراد تحقيق دخل دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة أو إنشاء مشروعات تقليدية.
وتبرز أهمية هذا النموذج في قدرته على استيعاب شرائح واسعة من الباحثين عن العمل، خاصة الشباب والخريجين وطلاب الجامعات وأصحاب المهن الحرة، إذ وفرت تطبيقات النقل الذكي، ومنصات توصيل الطلبات، والعمل الحر، وتأجير العقارات والمعدات، فرصًا جديدة لتحقيق دخل، بما يسهم في توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وتقليل معدلات البطالة في العديد من الدول.
كما يمنح الاقتصاد التشاركي العاملين درجة كبيرة من المرونة، حيث يستطيع كل فرد تحديد أوقات العمل بما يتناسب مع ظروفه الشخصية، وهو ما يشجع مشاركة النساء، والمتقاعدين، والأشخاص الراغبين في زيادة دخولهم من خلال أعمال إضافية، ويجعل سوق العمل أكثر قدرة على استيعاب الفئات التي قد يصعب عليها الالتزام بوظائف بدوام كامل.
ولا تقتصر آثار الاقتصاد التشاركي على الوظائف المباشرة، بل تمتد إلى تحفيز نمو قطاعات أخرى، مثل تطوير البرمجيات، والتسويق الرقمي، والدفع الإلكتروني، والخدمات اللوجستية، والدعم الفني، وتحليل البيانات، ما يخلق منظومة اقتصادية متكاملة تدعم التحول الرقمي وتعزز الابتكار وريادة الأعمال.
كذلك أيضا يفرض هذا النموذج تحديات تتطلب تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية، بما يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق العاملين والمستهلكين، ويشمل ذلك تنظيم العلاقة التعاقدية، وتوفير مظلات للحماية الاجتماعية، ووضع قواعد واضحة للضرائب، وإيجاد آليات فعالة لتسوية النزاعات، بما يعزز استدامة هذا القطاع ويحافظ على تنافسيته.
كما يمثل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الإنترنت، إلى جانب تنمية المهارات الرقمية ونشر ثقافة العمل الحر، عناصر أساسية لتعظيم الاستفادة من الاقتصاد التشاركي، وتمكين الشباب من الاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا النموذج الاقتصادي المتطور.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الاقتصاد التشاركي لم يعد مجرد اتجاه حديث، بل أصبح أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الرقمي، وأداة فعالة لخلق فرص العمل وتعزيز الإنتاجية، ومع استمرار التطور التكنولوجي، من المتوقع أن يتوسع دوره في السنوات المقبلة، ليصبح ركيزة أساسية في بناء أسواق عمل أكثر مرونة وشمولًا، خاصة في الدول التي تمتلك قاعدة شبابية كبيرة وتسعى إلى تسريع التحول الرقمي وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.