أولت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بملف المصانع المتعثرة، باعتباره أحد الملفات المؤثرة في زيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات. ومن هذا المنطلق، أطلقت الحكومة سلسلة من المبادرات والقرارات الهادفة إلى إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وإزالة العقبات التي تواجه المستثمرين، سواء من خلال التيسيرات الإدارية أو منح المهل أو إعادة تنظيم منظومة الأراضي الصناعية، في إطار استراتيجية تستهدف تحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للصناعة 2024–2030،رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 14% إلى 20%، وزيادة الصادرات الصناعية، وخلق ما بين 7 و8 ملايين فرصة عمل، إلى جانب تقديم الدعم الفني للمصانع الصغيرة، ودمجها في الاقتصاد الرسمي، والعمل على حل مشكلات المصانع المتعثرة والمتوقفة عن الإنتاج.
إجراءات متتالية لإنقاذ المصانع
وفي إطار تنفيذ هذه الرؤية، أعلنت وزارة الصناعة، من خلال الهيئة العامة للتنمية الصناعية، عدة حزم من التيسيرات للمشروعات الصناعية المتعثرة، تضمنت منح مدد إضافية للمستثمرين لاستكمال الإنشاءات واستخراج التراخيص والسجل الصناعي، مع إعفاءات من غرامات التأخير وفقًا لنسب التنفيذ الفعلية للمشروعات.
وشملت التيسيرات منح مهلة تصل إلى 6 أشهر للمشروعات التي حققت نسب تنفيذ مرتفعة، ومهلة 12 شهرًا للمشروعات التي قطعت شوطًا متوسطًا في التنفيذ، ومهلة تصل إلى 18 شهرًا للمشروعات التي لم تتمكن من استكمال أعمالها، مع منح إعفاءات من بعض الغرامات وفقًا للضوابط المحددة.
كما قررت الوزارة إعادة إتاحة بعض الأراضي الصناعية التي سبق سحبها للمستثمرين الجادين بالسعر الحالي، إذا لم تكن قد أُعيد تخصيصها، بهدف منح فرصة جديدة لاستكمال المشروعات بدلاً من توقفها نهائيًا.
تحديثات مستمرة للتيسيرات
ولم تقتصر الإجراءات على مبادرة واحدة، بل واصلت وزارة الصناعة تحديث برامج الدعم، حيث صدر قرار بمد العمل بحزم التيسيرات وإضافة مزايا جديدة، من بينها تمديد فترات السماح، وإتاحة مرونة أكبر في إجراءات تغيير النشاط الصناعي، وتنظيم تأجير الأراضي الصناعية، بما يساعد المستثمرين على استكمال مشروعاتهم وتشغيل خطوط الإنتاج.
كيف استفاد أصحاب المصانع؟
تُظهر المبادرات الحكومية أن الدعم لم يقتصر على التمويل، بل ركز أيضًا على إزالة العقبات الإدارية التي كانت تمثل أحد أبرز أسباب التعثر، مثل تأخر استخراج التراخيص، والغرامات، والالتزامات المرتبطة بالأراضي الصناعية.
وبحسب وزارة الصناعة، فإن هذه الإجراءات تستهدف الحفاظ على الاستثمارات القائمة، وتسريع دخول المصانع إلى مرحلة الإنتاج، وتقليل عدد المشروعات المتوقفة، مع التمييز بين المستثمر الجاد وغير الجاد، من خلال منح الفرص للمشروعات القادرة على استكمال التنفيذ، مقابل سحب الأراضي من الحالات غير الملتزمة بعد انتهاء المدد المقررة.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم هذه المبادرات، يرى عدد من المستثمرين أن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل، وتقلب أسعار مستلزمات الإنتاج، والتحديات المرتبطة بالاستيراد وسلاسل الإمداد، ما زالت تؤثر على بعض المصانع، وهو ما يجعل نجاح المبادرات مرتبطًا باستمرار التنسيق بين الجهات الحكومية وتوفير بيئة أعمال أكثر مرونة وسرعة في اتخاذ القرار.
رؤية مستقبلية
تعكس المبادرات الحكومية توجهًا واضحًا نحو الانتقال من معالجة حالات التعثر بعد وقوعها إلى بناء منظومة صناعية أكثر قدرة على الاستمرار، عبر تطوير البنية التشريعية والإجرائية، وتشجيع الاستثمار الصناعي، وتعميق التصنيع المحلي، بما يدعم مستهدفات الدولة في زيادة الإنتاج والصادرات وخلق فرص العمل.
وبينما تمثل حزم التيسيرات خطوة مهمة لإعادة تشغيل عدد من المشروعات، فإن تحقيق الأثر الكامل يتطلب استمرار المتابعة، وقياس نتائج المبادرات على أرض الواقع، وضمان وصولها إلى أكبر عدد من المستثمرين، حتى تتحول المصانع المتعثرة إلى طاقة إنتاجية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.