الصناعة في خطر.. ولابد من انتعاشها من جديد

تقرير- إسراء محمود

25عاما مضت كلمح البصر، كان فيها "أبو أحمد" يستيقظ قبل الفجر، يتنفس غبار الآلات، و يقدم زهرة شبابه لخطوط الانتاج، لم يكن القرار مجرد انهاء عقد عمل بل كان بمثابة حكم بالاعدام المعنوي و المادي لرجل تجاوز الخمسين في سوق عمل لا يرحم ولا يبحث الا عن الانتاج السريع بأقل تكلفة.

تتضاعف مأساة أبو أحمد عندما يلتفت إلى اعباء حياته اليومية، فهو العائل الوحيد لأسرة مكونة من 5 أبناء أكبرهم شق طريقه بجهد وتفوق ليصل إلى السنة الأولى في كلية الهندسة الحلم الذي انتظر الأب حصاده.

قضية أبو أحمد ليست الوحيدة، بل هي مرآة لواقع مرير يواجهه عشرات العمال الذين تم تسريحهم جماعيا من المصنع ذاته بسبب المناخ السيء الذي أحاط ببيئة العمل الصناعية في السنوات الماضية.

ففي غضون هذه السنوات تحولت قاعات الانتاج في كثير من المصانع من خلايا نحل تضج بالحركة إلى مساحات يكسوها القلق و الصمت، لم يكن نقص الطلب على السلع هو السبب هذه المرة، بل الارقام المرعبة للقفزات غير المسبوقة في تكلفة الانتاج .

وتواجه قطاعات الصناعة اليوم ضغوطا مركبة في خريطة الجدوى الاقتصادية للمشاريع؛ بينها أزمة الطاقة والوقود والتي تعد الضربة الأولى لخطوط الانتاج و كذلك المواد الخام و العملة، لا سيما مع تذبذب أسعار الصرف و ارتفاع أسعار المواد الأولية عالميا و محليا بحيث تضاعفت الفاتورة التي يدفعها المصنع للموردين، علاوة على ارتفاع تكاليف الشحن و سلاسل الامداد التي لم تعد مرنة كالسابق، كما أن تكلفة نقل البضائع تلتهم جانب كبير من هامش الربح.

عناب الانتاج التي كانت تعج بأصوات الآلات باتت تشبه ساحات انتظار ، فالعمال الذين يسندون ظهورهم إلى الجدار لا يعانون من كسل بل من جفاف الشرايين، حيث تواجه أغلب المصانع في المنطقة الصناعية نقصا حادا في المواد الخام الأولية، ما يدفع العديد من خطوط الانتاج نحو التدهور.

وبحسب مسؤول التشغيل بأحد المصانع، فإن صعوبة تدبير االنقد الأجنبي يعد عائقا أساسيا في جلب المواد الخام بسبب تأثر ممرات الملاحة الدولية نتيجة الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة؛ ما أدى إلى قفزات في التكاليف غير مسبوقة، علاوة على تأخر وصول الحاويات، ما تسبب في أعطال فنية فادحة و قلل من القيمة السوقية للمصانع .

مضيفا: المصانع في النهاية مؤسسات تدار بحسابات الربح والخسارة و أي عجز بسبب نقص الخامات يتسبب في كارثة على المدى الطويل، وهنا يجب تدخل القطاع المصرفي والبنوك لتدبير تسهيلات في النقد الاجنبي لمدخلات الانتاج و الخامات مع ضرورة الاهتمام بإنتاج المواد الوسيطة في السوق المحلى لتقليل الاستيراد الدولاري.

و أشار أن بعض الإدارات الصناعية لا تعتمد على خطط تسويقية في الاعلان منتجاتها، اعتقادا أن المنتج الجيد يفرض نفسه سوقيا وهو ما أدى إلى تراكم السلع و المنتجات مؤخرا،ووقف عجلة الانتاج لدى عدد كبير من المصانع .

لذا يرى بعض خبراء التكنولوجيا أن اتمتة المصانع ستضع عبئا جديدا على المصانع، حيث ستضطر حتما إلى الاستغناء عن العمالة، علاوة على زيادة الاعباء المالية لزيادة تكلفة استيراد هذه الالات بالعملة الصعبة، فالآلات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي فرضت نفسها على معظم دول العالم كونه ليس نظاما ذكيا فحسب بل ربط الات بالسرعة التقنية؛ ما يضمن انتاج أكبر بأقل تكلفة ونسبة خطأ أقل، فالمصانع التي تتمسك بالعقلية التقليدية وحسابات الورقة و القلم تكتب بيدها شهادة وفاتها.

شارك هذا المنشور