بين سبعيني وشاب.. حكاية بدأت بالسؤال وانتهت بالإيمان

في الشوارع التي لا تتوقف فيها الحركة، وبين وجوه المارة المنشغلة، تعيش حكايات لا تلفت الانتباه، لكنها تحمل معاني أكبر من الكلمات. هناك يجلس رجل مسن أمام بضاعته البسيطة، يقضي ساعات طويلة كل يوم في انتظار رزق كتبه الله له، لا يشكو من قسوة الجو ولا من مشقة الوقوف، بل يستقبل يومه بابتسامة هادئة ورضا واضح على ملامحه. وعندما سألناه عن سر قدرته على الاستمرار رغم تقدمه في العمر، لم يتردد لحظة، وقال بابتسامة واثقة: "اليقين بالله… والرزق عند ربنا."

وعلى بعد خطوات منه كان يقف شاب في العشرينات من عمره، بدأ يومه منذ الصباح الباكر وهو يبحث عن فرصة يكسب منها قوت يومه. بدا التعب واضحًا على وجهه، لكن الأمل كان حاضرًا في كلماته. وعندما سمع السؤال نفسه، جاءت إجابته مطابقة تمامًا: "اليقين بالله."

فارق العمر بين الرجل والشاب يقارب خمسين عامًا، لكن ما جمع بينهما لم يكن المكان ولا المهنة، وإنما نظرة واحدة إلى الحياة. كلاهما يؤمن أن العمل شرف، وأن السعي عبادة، وأن الرزق لا يملكه بشر، بل هو بيد الله وحده. لم ينتظر أحدهما أن تتغير الظروف من تلقاء نفسها، ولم يعلق آماله على الحظ أو الصدفة، بل اختار أن يأخذ بالأسباب ويواصل الطريق وهو مطمئن إلى أن الله لا يضيع تعب من يسعى.

ربما يظن البعض أن اليقين بالله يعني انتظار الفرج دون حركة، لكن هؤلاء البسطاء يقدمون معنى مختلفًا تمامًا. فاليقين بالنسبة لهم ليس استسلامًا للواقع، بل قوة تدفعهم إلى الاستمرار مهما اشتدت الظروف، وتجعلهم يخرجون كل صباح بقلوب مطمئنة، مؤمنين بأن لكل إنسان رزقًا لن يأخذه غيره، وأن التعب الذي يبذلونه اليوم لن يذهب هباء.

قد تختلف الوجوه، وتتغير الأعمار، وتتباين الحكايات، لكن الحقيقة تبقى واحدة. من امتلأ قلبه باليقين بالله، امتلك من الطمأنينة ما يجعله يبدأ يومه من جديد في كل صباح، ويواصل السعي دون خوف من المستقبل، لأنه يعلم أن الأرزاق بيد الله، وأن الأمل الحقيقي يولد دائمًا من يقين لا تهزه الظروف.

شارك هذا المنشور