أحمد أبوالمحاسن يكتب: بَركة القلب

في زحام الحياة، يركض الجميع خلف المال، والمناصب، والنجاح، معتقدين أن كثرة ما يملكون هو الطريق إلى السعادة، لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الحياة، قبل أن تؤكدها القيم الدينية والإنسانية، هي أن البركة لا تُقاس بما في اليد، بل بما يسكن القلب.

كم من إنسان يمتلك القليل، لكنه يعيش في راحة وطمأنينة، يبارك الله له في وقته، ورزقه، وأسرته، وصحته، فيشعر وكأنه يملك الدنيا كلها، وعلى الجانب الآخر، نجد من يملك الكثير، لكنه يفتقد السكينة، ويعيش في قلق دائم، وكأن شيئًا ما ينقصه مهما ازدادت ممتلكاته.

السر ليس في كثرة العطاء بل في صفاء النية
فالنية الصادقة هي البذرة الأولى لكل خير، والإخلاص هو الباب الذي تدخل منه البركة إلى حياة الإنسان، عندما يعمل الإنسان بإخلاص، دون رياء أو مصلحة، ويقدم الخير وهو لا ينتظر المقابل، يفتح الله له أبوابًا من التوفيق لا تخطر على باله، فالله لا ينظر إلى المظاهر، وإنما ينظر إلى القلوب وما تخفيه من صدق ونقاء.

والقلب السليم هو أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان، قلب لا يحمل حقدًا، ولا يعرف الحسد، ولا يتمنى زوال النعمة عن الآخرين، بل يفرح لنجاحهم كما يفرح لنفسه، هذا القلب يعيش صاحبه مرتاح الضمير، مطمئن النفس، لأن الحب الذي يملأ داخله ينعكس بركة على كل تفاصيل حياته.

وليس الحب هنا مقصورًا على العلاقات العاطفية، بل هو حب الناس، وحب الخير، وحب العمل، وحب الوطن، وحب الحياة نفسها. فمن أحب بصدق، أعطى بإخلاص، ومن أعطى بإخلاص، بارك الله له فيما أعطاه وما منحه.

كم من كلمة طيبة كانت سببًا في تغيير يوم إنسان، وكم من ابتسامة صادقة فتحت بابًا للأمل، وكم من موقف إنساني بسيط عاد على صاحبه بخير لم يكن يتوقعه، فالبركة لا تأتي دائمًا في صورة أموال أو مكاسب، بل قد تكون في دعوة صادقة من قلب مخلص، أو في محبة يزرعها الإنسان بين الناس، أو في راحة بال لا تُشترى بثمن.

إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في الدنيا ليس رصيدًا في بنك، ولا عقارًا، ولا منصبًا، وإنما أثر طيب في قلوب الناس، فالقلوب لا تنسى من أحبها بصدق، ولا من وقف بجوارها وقت الشدة، ولا من عاملها بإخلاص واحترام.

إذا أردت أن تبحث عن البركة، فلا تبحث عنها في جيبك أولًا، بل ابحث عنها في قلبك، نقِّ نيتك، وأخلص عملك، وازرع الحب أينما كنت، وكن صاحب قلب سليم لا يعرف الكراهية ولا الحسد، حينها ستكتشف أن البركة ليست شيئًا ننتظره، بل هي نعمة يمنحها الله لكل قلب امتلأ صدقًا، وإخلاصًا، ورحمة، ومحبة.

فالقلوب النقية لا تخسر، والنيات الصادقة لا تضيع، وما كان لله دام، وما خرج من القلب وصل إلى القلوب، وهناك، تبدأ البركة الحقيقية.

شارك هذا المنشور