بقلم- رقية عيسى
كلما جلست مع أحد هذه الأيام، أسمع الجملة نفسها: "الوقت لم يعد فيه بركة"، والغريب أن الجميع يشعر بذلك: "الموظف، وربّة المنزل، والطالب، وحتى المتقاعد"، وكأن الساعات الأربع والعشرين لم تعد تكفي أحدًا، رغم أنها لم تتغير منذ خلق الله الكون.
أحيانًا أفكر أن المشكلة ليست في الوقت نفسه، وإنما في الطريقة التي نعيش بها، فقد أصبحنا نركض طوال اليوم، ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن شاشة إلى شاشة، ومن إشعار إلى آخر، حتى أصبح الانشغال هدفًا في حد ذاته، نتحرك كثيرًا، لكننا لا نشعر أننا أنجزنا ما يستحق.
في رأيي، بركة الوقت لا تعني أن ننجز عشرات المهام في يوم واحد، بل أن ينتهي اليوم ونحن نشعر بالرضا، أن يكون لكل ساعة معنى، ولكل جهد نتيجة، ولكل لحظة قيمة، فالإنجاز الحقيقي ليس في كثرة الحركة، وإنما في جودة ما نفعله.
وأعتقد أن أول ما يسرق بركة الوقت هو التشتت، الهاتف الذي نحمله بين أيدينا أصبح قادرًا على ابتلاع ساعات من أعمارنا دون أن نشعر، ندخل لنقرأ رسالة، فنخرج بعد ساعة من تصفح لا نتذكر منه شيئًا، ومع تكرار هذا المشهد يوميًا، نتساءل في نهاية اليوم: "أين ذهب الوقت؟".
تعلمت أيضًا أن كثرة المهام لا تعني النجاح، على العكس، قد يكون التركيز على ثلاثة أعمال مهمة أفضل من الانشغال بعشرين عملًا صغيرًا لا يترك أي أثر، لذلك أصبحت أؤمن بأن ترتيب الأولويات ليس رفاهية، بل ضرورة لكل من يريد أن يعيش يومه بوعي.
ومن الأمور التي نغفل عنها أن بركة الوقت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة الإنسان النفسية والروحية، عندما يبدأ الإنسان يومه بالدعاء، أو بقراءة شيء من القرآن، أو حتى بدقائق من التأمل والامتنان، يشعر أن يومه أكثر هدوءًا واتزانًا، هذه الدقائق القليلة لا تستهلك الوقت، بل تمنحه قيمة مختلفة.
كما أن الراحة ليست عدوًا للإنتاجية كما يظن البعض فالنوم الجيد، والجلوس مع الأسرة، وممارسة المشي، والابتعاد قليلًا عن الضغوط، كلها أمور تعيد للإنسان طاقته، وتجعله أكثر قدرة على الإنجاز.
أما الاستمرار في العمل بلا توقف، فهو طريق سريع إلى الإرهاق، لا إلى النجاح.
وأرى أن واحدة من أجمل العادات التي يمكن أن نستعيدها هي أن نعيش اللحظة التي نحن فيها، عندما نعمل، نعمل بتركيز، وعندما نجلس مع أهلنا، نترك الهاتف جانبًا، وعندما نرتاح، لا نشعر بالذنب لأننا أخذنا قسطًا من الراحة، هذه البساطة قد تكون سرًا من أسرار بركة الوقت التي نفتقدها.
في النهاية، لا أظن أن الزمن تغير، لكننا نحن الذين تغيرنا، ازدادت الملهيات، وتسارعت الحياة، وامتلأت أيامنا بما لا ينتهي من التفاصيل، وربما تكون البداية الحقيقية لاستعادة بركة الوقت هي أن نستعيد السيطرة على يومنا، وأن نختار ما يستحق أن يأخذ من أعمارنا دقائقها وساعاتها، فالوقت ليس مجرد عقارب تتحرك، بل هو الحياة نفسها، ومن أحسن إدارة وقته، أحسن إدارة عمره كله.