الوعي.. خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات

الوعي يحمي العقول، ويصون الإنسان من الوقوع فريسةً للخداع والتضليل، إنه ذلك السلاح الذي لا يُرى بالعين، وذلك النور الذي يبدد ظلام الشائعات، فتُبصر به العقول الحقائق قبل أن تنخدع بالمظاهر، وتُميز به القلوب بين الصدق والزيف.

وإذا كانت الشائعات بمثابة الرصاصة التي إذا اخترقت عقلًا جعلته أسيرًا للتضليل، فإن الوعي هو الدرع الذي يحول بينها وبين العقول، فيُفشل مفعولها قبل أن تبلغ أهدافها، فلا يجد التضليل طريقًا إلى عقلٍ يدرك ويفكر ويتحقق.

وفي زمن الثورة الرقمية، حيث تنتقل الأخبار في ثوانٍ وتصل إلى ملايين الأشخاص بضغطة زر، أصبح الوعي هو السراج الذي ينير الطريق وسط سيلٍ من المعلومات؛ بعضها صحيح، وكثير منها يحمل شائعات تستهدف زعزعة الاستقرار، وإثارة البلبلة، وتحقيق أهداف خفية لا تخدم إلا أصحابها.

وبالوعي نتصدى للشائعات، ولكن ماذا يعني الوعي؟ قبل أن نلجأ إلى التعريفات العلمية والمصطلحات الأكاديمية، دعونا نستحضر ما تعلمناه منذ الصغر داخل الأسرة، كم مرة سمعنا: «اوعى حد يضحك عليك»، «اوعى تتسرق»، «اوعى تعمل كذا»، «اوعى تصاحب فلان».

كانت هذه الكلمات البسيطة أول دروس الوعي في حياتنا، فلم تكن مجرد نصائح عابرة، بل تنبيهًا إلى مخاطر قد لا نراها بأعيننا، ومن هنا يمكن أن نفهم أن الوعي هو القدرة على الانتباه لما قد يبدو غامضًا أو يحمل أهدافًا خفية، والتفكير قبل التصديق، والتحقق قبل اتخاذ المواقف أو نقل المعلومات.

فالإنسان الواعي لا يتعامل مع أي معلومة على أنها حقيقة مطلقة، بل يبحث ويتحقق من مدى صحتها، ولا يجعل العاطفة تقوده؛ لأن الشائعات غالبًا ما تراهن على استثارة المشاعر واستمالة الناس واستقطابهم حتى يقعوا في فخ التضليل، لذلك يكون الإنسان الواعي على دراية بما يُقدم إليه من معلومات، فيُميز بين الصحيح والمغلوط، وبين الحقيقة والزيف، فلا ينساق وراء الشائعات، ولا يرددها، ولا ينقلها؛ لأنها لا تعيش إلا بمن يرددها.

وكثيرون يمتلكون العلم والمعرفة، ومع ذلك يقعون في فخ الشائعات، لذلك فإن القضية لا تكمن في كثرة المعلومات، وإنما في كيفية بناء الوعي منذ البداية، ويبدأ ذلك من البيت، هذا العالم الصغير الذي يتكون من أب وأم وأبنائهما، حيث تُغرس قيم التحقق، ويُعلَّم الأبناء أن ليس كل ما يُقال يُصدق، وأن كل معلومة تحتاج إلى البحث عنها، والتأكد من مصدرها، ومقارنتها بأكثر من مصدر، ثم يأتي دور المدرسة التي تغرس في النشء القيم الوطنية والدينية والإنسانية، وتزودهم بالمعرفة الصحيحة، وتعلمهم التفكير النقدي، وكيف يميزون بين من ينصحهم ومن يسعى إلى تضليلهم.

فالشائعة لا تُطلق عبثًا، بل تُصنع لتؤثر في العقول، وتوجه الرأي العام، وتزرع الشك، وتحقق أهدافًا لا تُقال صراحة، وعندما نواجهها بالوعي نُفشل أهدافها، ونُبطل أثرها، ونحرم مروجيها من تحقيق ما يسعون إليه.

وعلى كل فرد في المجتمع مسؤولية في حماية الوطن بالوعي،  فالحفاظ على الأوطان يبدأ بحماية العقول من الأكاذيب والشائعات، وعندما يرتفع مستوى الوعي، تضيق مساحة تأثير الشائعات، ويصبح المجتمع أكثر قوةً وتماسكًا وقدرةً على مواجهة كل محاولات التضليل، فالوطن الذي يمتلك شعبًا واعيًا، يصعب أن تهزمه شائعة مهما بلغت سرعة انتشارها.

شارك هذا المنشور