كتب: محمود الصادق
العقل هو المحرك الحقيقي لحياة الإنسان، وبه تُبنى القرارات، وتُرسم الخطط، وتُصنع الإنجازات. وبينما يحرص كثيرون على الاهتمام بصحة القلب أو اللياقة البدنية، يؤكد الخبراء أن صحة الدماغ لا تقل أهمية، بل إنها الأساس الذي تعتمد عليه جميع وظائف الجسم والسلوك اليومي.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية، إلى أن صحة الدماغ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الحياة والإنتاجية، وأن تبني نمط حياة صحي يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعديد من الاضطرابات العصبية والإدراكية مع التقدم في العمر.
العقل.. قائد القرارات اليومية
يقول خبراء علم الأعصاب، إن الدماغ يعالج ملايين الإشارات العصبية كل ثانية، ويعتمد على شبكة معقدة من الخلايا العصبية لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وتؤكد جمعية علم النفس الأمريكية، أن جودة القرار ترتبط بسلامة التفكير، والقدرة على التركيز، وإدارة المشاعر، والابتعاد عن الضغوط المزمنة.
ويرى الباحثون أن القرار السليم لا يعتمد فقط على الذكاء، وإنما على صفاء الذهن، والنوم الكافي، وتوافر المعلومات الصحيحة، وهو ما يفسر تراجع كفاءة اتخاذ القرار لدى الأشخاص الذين يعانون من الإرهاق أو التوتر المستمر.
كيف نحافظ على صحة العقل؟
تشير الدراسات الطبية إلى أن الدماغ يستفيد من مجموعة من العادات اليومية البسيطة التي تحافظ على كفاءته لسنوات طويلة، أبرزها:
1- النوم الجيد
تؤكد مؤسسة النوم الأمريكية "National Sleep Foundation"، أن النوم لمدة تتراوح بين 7 و9 ساعات يوميًا يساعد الدماغ على تثبيت الذكريات، وتنظيم المعلومات، والتخلص من الفضلات الناتجة عن نشاط الخلايا العصبية.
2- النشاط البدني
وفقًا لـ منظمة الصحة العالمية، فإن ممارسة النشاط البدني بانتظام تحسن تدفق الدم إلى المخ، وتقلل من خطر الإصابة بالخرف والسكتات الدماغية، كما تعزز الانتباه والذاكرة.
3- التغذية الصحية
يؤكد خبراء التغذية أن تناول الأسماك الغنية بأحماض أوميجا 3، والخضروات الورقية، والفواكه، والمكسرات، يمد الدماغ بالعناصر الغذائية التي يحتاجها للحفاظ على كفاءته، بينما يؤدي الإفراط في الدهون المشبعة والسكريات إلى تراجع الأداء الذهني مع مرور الوقت.
4- التعلم المستمر
تشير جامعة هارفارد إلى أن القراءة، وتعلم لغة جديدة، وحل الألغاز، وممارسة الهوايات الذهنية، تحفز تكوين روابط عصبية جديدة وتزيد من المرونة الإدراكية.
5- العلاقات الاجتماعية
أثبتت الأبحاث أن التواصل الاجتماعي المنتظم يقلل من الشعور بالعزلة والاكتئاب، ويحافظ على النشاط الذهني، خاصة لدى كبار السن.
سلوكيات تضعف التفكير والتركيز
يحذر الأطباء من مجموعة من الممارسات اليومية التي تؤثر سلبًا على كفاءة الدماغ، ومنها: قلة النوم، التي تؤدي إلى ضعف الانتباه وسرعة النسيان، والإفراط في استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع التنقل المستمر بين التطبيقات، مما يقلل القدرة على التركيز لفترات طويلة، والتوتر المزمن، حيث يؤدي ارتفاع هرمون الكورتيزول لفترات طويلة إلى التأثير على مناطق الذاكرة والتعلم، والخمول البدني، الذي يقلل وصول الأكسجين والدم إلى الدماغ.
بالإضافة إلى التدخين والإفراط في تناول الكحول، لارتباطهما بزيادة خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية والدماغ، والإفراط في تناول الأطعمة المصنعة والسكريات، التي ترتبط بضعف الوظائف الإدراكية مع الوقت، والعزلة الاجتماعية، والتي تشير الدراسات إلى ارتباطها بارتفاع خطر التراجع المعرفي.
الدماغ يحتاج إلى تدريب مستمر
يؤكد علماء الأعصاب، أن الدماغ يشبه العضلة؛ فكلما استخدمه الإنسان في التعلم، والتفكير، وحل المشكلات، زادت كفاءته. وتشير أبحاث المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة إلى أن ممارسة الأنشطة الذهنية بانتظام قد تساعد في الحفاظ على القدرات الإدراكية مع التقدم في العمر.
الوقاية تبدأ من اليوم
يرى الخبراء، أن حماية العقل ليست مسؤولية الأطباء وحدهم، بل هي أسلوب حياة يبدأ بالنوم المنتظم، والغذاء الصحي، وممارسة الرياضة، وإدارة الضغوط، والاستمرار في التعلم، فالعقل هو أغلى ما يملكه الإنسان، والحفاظ عليه استثمار في المستقبل، ينعكس على جودة الحياة، والقدرة على العمل، واتخاذ القرارات السليمة، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وإنتاجية.