كتبت ـ أميرة خطاب
مع أول خيط من ضوء الشمس، يفتح الحاج محمود، الرجل الخمسيني، باب منزله الصغير المطل على حقوله الخضراء المترامية في أطراف الدلتا، يستقبل يومًا جديدًا برائحة الطين المبتل ونسيم الصباح النقي، وسط الخضرة والماء، لا توقظه أصوات السيارات، ولا يزعجه صخب الشوارع، بل توقظه زقزقة العصافير وحفيف أوراق الأشجار، وكأن الطبيعة قررت أن تكون منبهه اليومي.
منذ سنوات طويلة، عُرضت عليه فرص كثيرة للانتقال إلى المدينة، حيث الأبناء والخدمات والأسواق الكبيرة، لكنه كان يبتسم دائمًا ويقول: "أنا رزقي هنا، وراحتي هنا"، بالنسبة له، لم تكن المدينة سوى زحام لا ينتهي، وعوادم تخنق الأنفاس، وضوضاء تسرق هدوء الإنسان، بينما يجد في أرضه كل ما يحتاجه ليشعر بأنه حي.
يمضي يومه متنقلًا بين الأشجار، يراقب سنابل القمح وهي تتمايل مع الريح، ويتابع نمو المحاصيل التي يعتبرها أبناءه قبل أن تكون مصدر رزقه، يعرف كل شجرة في أرضه، ويحفظ مواعيد الري والحصاد كما يحفظ أسماء أفراد أسرته، ويؤمن أن الأرض لا تخذل من يمنحها وقته وجهده وحبه.
ورغم أن الحياة في الريف ليست خالية من المشقة، فإن الرجل يرى أن تعب العمل في الحقول أهون كثيرًا من إرهاق الحياة داخل المدن، يقول إن الهواء هنا لا يزال نقيًا، والسماء أكثر صفاءً، والوجوه تعرف بعضها بعضًا، بينما أصبحت المدن، في نظره، أماكن يلتقي فيها الناس دون أن يعرف أحدهم الآخر.
وعندما يُسأل عن سبب تمسكه بالبقاء، يجيب ببساطة: "هنا أسمع صوت نفسي"، عبارة تختصر فلسفة حياة كاملة، فهو لا يبحث عن الأبراج المرتفعة أو الطرق الواسعة، بل عن الطمأنينة التي يجدها كل صباح بين الزرع والماء، وعن شعور الانتماء إلى قطعة أرض ورثها عن آبائه، ويريد أن يتركها للأبناء كما عرفها، خضراء نابضة بالحياة.
في زمن يهرب فيه كثيرون إلى المدينة بحثًا عن الفرص، اختار الحاج محمود طريقًا مختلفًا، طريقًا تقوده الأشجار بدل إشارات المرور، وتملؤه رائحة التراب بدل عوادم السيارات، وبينما يزداد صخب المدن يومًا بعد يوم، يبقى هو متمسكًا بقناعته بأن السعادة لا تُقاس بعدد المباني ولا اتساع الشوارع، بل بالسكينة التي يجدها الإنسان في المكان الذي يشعر فيه بأنه ينتمي حقًا.