الإنسان هو ابن الأرض فمن مادتها خلق وإلى باطنها يعود مرة أخرى، وقد دل القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف على عظم الارتباط بالكون وتأثير ذلك في تصحيح عقيدته وهديه إلى الخالق.
فقد خلق آدم عليه السلام من سلالة من طين، ودفع إلى الأرض ليكون في عمارتها واستخدام ما سخره الله تعالى له فيها، قال سبحانه: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، فعلى المسلم أن يكون عالما بدوره في هذه الحياة وأنه لا محالة أتى مكلفًا بمهمة ولم يخلق عبثًا.
وإذا ضل طريقه نحو ربه فإن التأمل في خلق الله واكتشاف عظمة الكون، سبيل لعودته وهدايته فنبي الله إبراهيم عليه السلام دفعه هذا التفكر والتدبر ليكون رسولًا وهاديًا بعد أن كان حائرًا بين قوم يعبدون الأصنام وبين النجوم والكواكب.
يقول جل شأنه في قصة إبراهيم: "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
وعلى المسلم أن يهتم بنظافته ونظافة الكون حوله وألا يفسد بديع صنع الله تعالى:" وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ"، فعليه أن يكون نافعًا فيبادر إلى الزراعة والعمل النافع فيها يقول تعالى : "والأرض فرشناها فنعم الماهدون"، أي بسطناها ومهدناها بين أيديكم ليسهل عليكم العمل فيها والانتفاع بثمراتها وخيراتها.
كما أجرى الله فيها العيون والينابيع في الأرض لتسقي منها، ثم تجني من ثمراتها وتنتفع بغلاتها: "وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا تشكرون".
وأخيرًا عليك أن تحيا في بساطة واعتدال فقد جاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال: "جَاء رجلٌ إلى رَسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقالَ: إنِّي مَجهُود، فأرسلَ إلى بعضِ نِسائهِ، فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقِّ، مَا عندِي إلا ماءٌ، ثُم أرسلَ إلى الأُخرى، فقالتْ مِثل ذلكَ حَتى قُلن كلُّهُن مثلَ ذلك: لا، والذي بعثكَ بالحَق، ما عِندي إلا مَاء، فقالَ: "مَن يُضيف هذا الليلةَ، رحمهُ الله"، فقام رجلٌ مِن الأنصَار فقال: أنا، يا رسولَ الله، فانطلقَ بهِ إلى رَحله، فقال لامرأتهِ: هل عندكِ شيءٌ؟ قالت: لا، إلاَّ قوت صِبيَتي، قال: فعلِّليهم بشيءٍ، فإذا دخلَ ضيفُنا، فأطفئي السِّراج، وأرِيه أنَّا نَأكل، فإذا أهوى لِيأكل، فقُومي إلى السراج حتى تُطفئيه، قال: فقعَدوا وأكلَ الضيفُ، فلمَّا أصبحَ غَدا إلى النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقَال: "قد عَجبَ الله مِن صَنِيعِكُما بضيفِكُما الليلةَ".
فالعودة إلى الطبيعة هو إيمان البساطة والاعتدال، فلا تتكلف وترهق نفسك في التفكير واجعل ما حولك سبيلًا لإسعادك وإسعاد من حولك، وكن شاكرًا لأنعم الله عليك وإن كانت في نظرك قليلة فهي قد تكون عند غيرك أعظم ما يبحث عنه.