تقرير -امين مجدى
في عالم يشهد سباقا متواصلا نحو التميز والإبداع، يبقى الإتقان والإحسان في العمل من أهم المبادئ التي تحدث الفارق بين النجاح العابر والإنجاز المستدام وقد جعل الإسلام هذه القيمة منهجا للحياة فلم يقتصر على الحث على العمل فقط بل دعا إلى أدائه بأفضل صورة وربط جودة العمل برضا الله تعالى لتتحول الوظيفة أو المهنة أو الحرفة إلى عبادة يؤجر عليها الإنسان إذا أخلص فيها وأحسن أداءها.
ويؤكد القرآن الكريم مكانة الإحسان في حياة المسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة البقرة، الآية 195.
وتكشف هذه الآية الكريمة عن منزلة عظيمة ينالها كل من يجعل الإحسان منهجا في أقواله وأفعاله فمحبة الله هي أعظم غاية يسعى إليها المؤمن ولا تتحقق إلا بالعمل الصالح والإخلاص والإتقان ولا يقتصر مفهوم الإحسان على العبادات فحسب بل يشمل كل مجالات الحياة من التعليم والصناعة والزراعة والتجارة والطب والهندسة والإدارة إلى أبسط الأعمال اليومية فالمعلم الذي يُخلص في تعليم طلابه والطبيب الذي يؤدي رسالته بإتقان والعامل الذي يحافظ على جودة إنتاجه والموظف الذي يؤدي واجبه بأمانة جميعهم يمارسون الإحسان الذي دعا إليه الإسلام.
ويرتبط الإتقان ارتباطا وثيقا بالأمانة والمسؤولية فالعمل المتقن يعكس احترام الإنسان لنفسه ولمجتمعه ويسهم في نشر الثقة بين الأفراد ويقلل من الأخطاء والهدر ويرفع كفاءة المؤسسات، ويزيد من جودة الخدمات والمنتجات ولذلك فإن الأمم التي تجعل الجودة والإبداع ثقافةً راسخة تحقق تقدمًا اقتصاديًا واجتماعيا وعلميا يفوق غيرها، كما أن الإتقان ينعكس بصورة مباشرة على شخصية الفرد فهو يغرس الانضباط ويعزز الثقة بالنفس وينمي روح المبادرة والابتكار ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحمل المسؤولية ومن يعتد الإحسان في عمله يكتسب احترام الآخرين ويصبح قدوة في مجتمعه لأن التميز الحقيقي يبدأ من أداء الواجب بإخلاص قبل البحث عن المكافأة أو التقدير.
وفي بيئات العمل الحديثة أصبحت الجودة والإتقان من أهم معايير النجاح إذ تعتمد المؤسسات على الكفاءات القادرة على الإنجاز بدقة وسرعة واحترافية ولهذا فإن العامل المتقن لا يخدم نفسه فقط، بل يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التنافسية وتحقيق التنمية المستدامة التي تنعكس آثارها على المجتمع بأسره، ومن صور الإحسان في العمل الالتزام بالمواعيد والمحافظة على ممتلكات المؤسسة واحترام حقوق الآخرين والتعاون مع الزملاء وتطوير المهارات باستمرار، والحرص على التعلم واكتساب الخبرات الجديدة فهذه الممارسات اليومية تجسد مفهوم الإحسان في الواقع العملي.
ويؤكد خبراء التنمية أن المجتمعات التي تنشر ثقافة الإتقان بين أفرادها تمتلك مقومات الريادة والازدهار، لأن التقدم لا يقوم على كثرة الموارد وحدها بل على حسن استثمارها، وعلى وجود أفراد يؤمنون بأن كل عمل مهما كان بسيطا يستحق أن يؤدى بأفضل صورة ممكنة، وفي ظل التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم تزداد الحاجة إلى ترسيخ قيمة الإتقان لدى الأجيال الجديدة من خلال الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع حتى يصبح الإحسان سلوكا يوميا وثقافة راسخة لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
ويبقى الإتقان والإحسان رسالة خالدة يحملها الإسلام إلى الإنسانية تؤكد أن نهضة الأمم تبدأ من الإنسان الذي يعمل بإخلاص ويؤدي واجبه بأمانة ويجعل الجودة عنوانا لكل ما يقدمه وعندما يتحول الإحسان إلى أسلوب حياة، يصبح النجاح ثمرة طبيعية ويغدو العمل وسيلة لبناء الأوطان وخدمة المجتمع ونيل رضا الله تعالى.