منذ أن وجد الإنسان على الأرض وهو يسعى إلى جمع الثروة وتحقيق المكاسب ويحسب أرباحه وخسائره بالأرقام لكنه كثيرا ما يغفل عن الثروة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها إذا ضاعت، وهي العمر والمال يمكن أن يعود بعد خسارته والمناصب قد تزول ثم تعود أما العمر فإنه يمضي في اتجاه واحد ولا تمنح الحياة أحدا فرصة لاسترداد دقيقة واحدة مما مضى ولذلك كان العمر هو رأس المال الحقيقي الذي يمتلكه الإنسان وكل ما يحققه في حياته ليس إلا نتيجة للطريقة التي استثمر بها هذا الرصيد المحدود و في زمننا الحاضر ظهرت تجارة من نوع مختلف لا تعقد في البورصات ولا تسجل في دفاتر الحسابات لكنها الأكثر رواجا والأعلى تكلفة إنها تجارة أعمار البشر و في كل يوم تباع ساعات طويلة من حياة الإنسان مقابل انشغالات لا تضيف إليه معرفة ولا تصنع له مستقبلا ولا تمنحه سعادة حقيقية.
أصبح الإنسان يستهلك عمره في متابعة ما لا ينفع وفي مطاردة تفاصيل عابرة وفي الانشغال بقضايا لا تمس حياته بينما يمر الزمن في صمت ويقتطع من رصيد حياته دون أن يشعر ولم تعد المنافسة اليوم على الأموال وحدها بل أصبحت المنافسة على وقت الإنسان وانتباهه و كل تطبيق على الهاتف وكل منصة رقمية وكل إعلان يسعى إلى أن يحتفظ بالمستخدم أطول وقت ممكن لأن كل دقيقة يقضيها أمام الشاشة هي جزء من عمره ومع مرور الأيام تتحول الدقائق إلى ساعات والساعات إلى سنوات ويكتشف الإنسان متأخرا أنه أنفق أغلى ما يملك دون أن يحقق ما كان يحلم به والمفارقة أن الإنسان يدقق في إنفاق أمواله أكثر مما يدقق في إنفاق عمره وقد يتردد كثيرا قبل شراء شيء لا يحتاج إليه لكنه لا يتردد في إهدار ساعات كاملة في أمور لا تعود عليه بأي فائدة ولو أدرك أن كل ساعة تضيع هي جزء من حياته لا يمكن استعادته لتغيرت نظرته إلى الوقت ولأصبح أكثر حرصا على استثماره فيما ينفعه وينفع مجتمعه.
إن قيمة العمر لا تقاس بعدد السنوات وإنما بما تحمله تلك السنوات من إنجاز وعطاء وأثر و قد يعيش إنسان عمرا قصيرا لكنه يترك بصمة خالدة في العلم أو الفكر أو العمل أو خدمة الناس بينما يعيش آخر عشرات السنين دون أن يضيف شيئا إلى نفسه أو إلى العالم من حوله والفرق الحقيقي بين الناس ليس في طول الأعمار وإنما في حسن استثمارها.
وقد لفت الإسلام أنظار الناس إلى هذه الحقيقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا حين أقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر وهو الزمن، تنبيها إلى عظمته وحين قال النبي صلى الله عليه وسلم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» و الغبن الحقيقي ليس في خسارة المال وإنما في التفريط فيما لا يمكن تعويضه وهو العمر الذي يمضي يوما بعد يوم حتى ينتهي رصيده و إن أخطر ما في تجارة الأعمار أنها تتم برضا أصحابها فالإنسان هو الذي يمنح وقته لمن لا يستحق وهو الذي يسمح للأيام أن تمر دون هدف ثم يتساءل بعد سنوات أين ذهب العمر والحقيقة أن العمر لا يضيع فجأة بل يتسرب في تفاصيل صغيرة نستهين بها حتى نجد أنفسنا أمام سنوات كاملة لم نجنِ منها إلا الندم.
ولهذا فإن الحكيم ليس من يجمع أكبر قدر من المال وإنما من يعرف كيف يدير وقته لأن الوقت هو المادة الخام التي تصنع منها الحياة وكل إنجاز عظيم بدأ بساعة استثمرت جيدا وكل فشل كبير بدأ بدقائق أهدرت بلا اكتراث وما دام الإنسان لا يستطيع أن يزيد في عمره يوما واحدا فإنه يستطيع أن يزيد قيمة كل يوم يعيشه بالعلم والعمل والإحسان وترك الأثر الطيب و يبقى العمر هو رأس المال الحقيقي وكل ما عداه وسائل وأدوات قد تأتي وقد ترحل وأما الأيام التي تمضي فلن تعود أبدا ولذلك فإن أنجح الناس ليس من عاش أطول عمر بل من جعل لكل يوم من عمره قيمة ولكل ساعة أثرا حتى إذا انتهت رحلته بقيت أعماله شاهدة على أنه لم يفرط في أغلى ما ملك وهو عمره.