تقرير: سارة المنصوري
في كل يوم، يتخذ الإنسان عشرات القرارات التي ترسم ملامح حياته، لكن ماذا يحدث عندما تُبنى تلك القرارات على معلومات خاطئة أو أفكار موروثة لا تستند إلى حقائق؟ عندها يتحول الجهل إلى عبء خفي، لا يُرى بالعين، لكنه ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية ويقف حائلاً أمام أي محاولة للتغيير. وفي مصر، تبدو أزمة غياب الوعي واحدة من أكثر التحديات تأثيرًا، فهي لا تقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية، لأن نقص المعرفة الموثوقة يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات والخرافات، ويجعلها بديلاً للحقيقة.
تظهر ملامح هذه الأزمة بوضوح في القطاع الصحي، حيث لا يزال كثيرون يلجأون إلى الوصفات الشعبية أو يتناولون الأدوية، خاصة المضادات الحيوية، دون استشارة الطبيب، بينما تغيب ثقافة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة. ونتيجة لذلك، يتحمل المواطن والدولة تكاليف صحية واقتصادية كان يمكن تجنبها لو تحولت الوقاية إلى ثقافة راسخة في المجتمع.
ولا يختلف المشهد كثيرًا داخل المنظومة التعليمية، إذ تتسع الفجوة المعرفية في فهم أساليب التربية الحديثة، والتعامل مع التكنولوجيا، واستيعاب متطلبات سوق العمل المتغير. وما زالت فكرة "كليات القمة" تفرض حضورها على عقول كثير من الأسر، في وقت تتجه فيه الوظائف الأكثر طلبًا نحو المهارات الرقمية والتخصصات الجديدة التي يفرضها التطور التكنولوجي.
ومع مرور الوقت، لا تقتصر آثار نقص الوعي على الصحة والتعليم، بل تمتد إلى قضايا البيئة، وترشيد الاستهلاك، وثقافة المواطنة، لتصبح التوعية ضرورة مجتمعية وليست رفاهية فكرية. إنها معركة تستهدف بناء إنسان قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، واتخاذ قراراته على أساس المعرفة لا الشائعة.
وفي هذه المعركة، يبرز الإعلام بوصفه القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي العام. فوسائل الإعلام المرئية والمسموعة تمتلك القدرة على الوصول إلى ملايين المواطنين، وتحويل الرسائل الصحية والتعليمية المعقدة إلى محتوى بسيط وسهل الفهم، من خلال البرامج الحوارية، والدراما الهادفة، والحملات التوعوية التي تلامس الواقع اليومي للمواطن.
وفي المقابل، يتحمل الإعلام المقروء والرقمي مسؤولية مضاعفة في تقديم التحليل والتفسير، ومواجهة الأخبار المضللة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنتاج محتوى معرفي تفاعلي يجذب الشباب، ويعزز قدرتهم على التحقق من المعلومات والتمييز بين المصادر الموثوقة وغيرها.