الله يعنى الفرج وهو رمز الروح

محمد الغريب

في رحلة الحياة، يمر الإنسان بمحطات كثيرة تتبدل فيها الأحوال بين فرح وحزن، قوة وضعف، نجاح وتعثر، وفي كل مرحلة يبحث عن يد تمتد إليه، أو كلمة تطمئن قلبه، أو ملاذ يأوي إليه حين تثقل الأعباء على روحه، وبينما ينشغل كثيرون بالبحث عن البشر، يغفلون عن أقرب قريب، وعن الباب الذي لا يُغلق، وعن الملاذ الذي لا يخيب من قصده، إنه الله سبحانه وتعالى، الذي جعل من الإيمان به راحة للقلوب، ومن التوكل عليه طريقًا للفرج، ومن حسن الظن به مفتاحًا لكل خير.

فالإنسان بطبيعته ضعيف، تعصف به الأيام، وتداهمه الابتلاءات، وقد تضيق به السبل حتى يظن أن لا مخرج مما هو فيه، لكن المؤمن يعلم يقينًا أن وراء كل ضيق سعة، وأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الله إذا أغلق بحكمته بابًا، فتح برحمته أبوابًا لم تكن تخطر على بال أحد.

لقد بشّرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وعلى ألسنة أنبيائه ورسله، بأنه معنا في كل لحظة، يسمع دعاءنا، ويعلم ما تخفيه صدورنا، ويرى دموعنا التي قد لا يراها أحد، ويعلم الألم الذي نعجز أحيانًا عن وصفه بالكلمات، ولذلك كان وعده لعباده الصادقين وعدًا لا يتخلف، فهو القادر على أن يحول الحزن إلى فرح، واليأس إلى أمل، والضيق إلى سعة، والانكسار إلى قوة، لأنه سبحانه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.

وليس في تاريخ الأنبياء قصة إلا وتحمل بين سطورها رسالة طمأنينة لكل صاحب هم، فما من نبي ابتُلي إلا وكان الفرج أقرب إليه من ظنه، وما من محنة اشتدت إلا وكانت مقدمة لمنحة عظيمة. لقد تعرض الأنبياء للسخرية والأذى والتكذيب، وحوربوا من أقرب الناس إليهم، ومع ذلك لم تتزعزع ثقتهم بربهم، لأنهم أدركوا أن القوة الحقيقية ليست في كثرة العدد ولا في وفرة الأسباب، وإنما في معية الله لعباده المؤمنين.

ويكفي أن نتأمل قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، الذي فقد ابنه يوسف سنوات طويلة، حتى ابيضت عيناه من الحزن، ومع ذلك لم يسمح لليأس أن يجد طريقًا إلى قلبه، بل ظل متعلقًا بوعد الله، مؤمنًا بأن اللقاء سيأتي مهما طال الانتظار، ولذلك أوصى أبناءه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، فكانت كلماته درسًا خالدًا لكل من أثقلته الأيام، بأن الفرج قد يتأخر، لكنه لا يضيع عند الله.

وتتجلى عظمة اليقين أيضًا في موقف موسى عليه السلام، عندما وجد نفسه وقومه بين البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، حتى أيقن الناس أن النهاية قد حانت، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، لكن قلب النبي الممتلئ ثقة بالله لم يعرف الخوف، فجاء رده الخالد: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فتحول المستحيل إلى معجزة، وانشق البحر، ونجا المؤمنون، وغرق الطغيان.

ثم تأتي الهجرة النبوية لتقدم صورة أخرى من صور الاطمئنان بالله، حين اختبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه في الغار، ووصل المشركون إلى باب الغار حتى ظن أبو بكر أنهم إذا نظر أحدهم تحت قدميه لرآهما، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى بعين اليقين لا بعين الخوف، فقال كلمته التي بقيت نورًا لكل قلب مضطرب: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"، فكان الأمن من الله أقوى من كل أسباب الخوف.

إن أعظم ما يمنحه الإيمان للإنسان هو الطمأنينة، لأن المؤمن يعلم أن الله لا ينساه، ولا يتركه وحده، وأن كل دعوة صادقة محفوظة، وكل دمعة يراها الله، وكل صبر عليه أجر، وكل ابتلاء وراءه حكمة قد لا ندركها اليوم، لكننا سنفهمها في الوقت الذي يختاره الله لنا.

فإذا ضاقت بك الدنيا، فلا تجعل قلبك أسيرًا لليأس، وإذا تأخرت الأمنيات، فلا تظن أن الله غفل عنك، بل أيقن أن تدبيره خير من تدبيرك، وأن اختياره أرحم من اختيارك لنفسك، وأن الفرج قد يكون أقرب إليك مما تتصور، لأن الله سبحانه لا يخذل من تعلق به، ولا يرد من وقف على بابه، ولا يترك عبدًا أحسن الظن به.

فاجعل الله ملاذ روحك في كل حين، وأحسن الظن به في الرخاء والشدة، وتمسك بالأمل مهما اشتدت العواصف، فمن كان الله معه فلن يضيعه، ومن وثق بربه وجد بعد كل ضيق فرجًا، وبعد كل ظلمة نورًا، وبعد كل انتظار عطاءً يفوق ما كان يرجوه.

شارك هذا المنشور