العمر بين الهدر والاستثمار

العمر هو الثروة الوحيدة التي يولد بها الإنسان ولا يستطيع أن يزيد منها أو يستبدلها أو يعوض ما يفقده منها فكل يوم يمر يقتطع جزءا من هذا الرصيد الذي لا يتكرر ولا يعود ولذلك كان الوقت هو الوعاء الذي تبنى فيه الأحلام وتتحقق الإنجازات وتصنع فيه حياة الإنسان بكل ما فيها من نجاح أو إخفاق وكثير من الناس يظنون أن الهدر يرتبط بإضاعة المال وحده بينما الحقيقة أن أخطر أنواع الهدر هو هدر العمر لأن المال إذا ضاع أمكن تعويضه أما العمر فإذا مضى فلن يعود مهما امتلك الإنسان من قوة أو نفوذ أو ثروة ولهذا فإن الإنسان قد يكون غنيا في حساباته البنكية لكنه فقير في رصيد الإنجاز لأنه أنفق سنوات حياته فيما لا ينفع وإن الفرق بين إنسان وآخر لا تحدده الأعمار وإنما تحدده طريقة استثمارها فقد يعيش أحدهم سنوات قليلة لكنها تمتلئ بالعلم والعمل والإبداع فيترك أثرا يبقى بعد رحيله وقد يعيش آخر عمرا طويلًا دون أن يترك وراءه سوى أيام مرت بلا معنى لأن الحياة لا تقاس بعدد السنين وإنما بما تحمله تلك السنين من قيمة.

وفي زمن السرعة أصبحت معركة الإنسان الحقيقية مع الوقت فهناك من يسعى إلى امتلاك انتباهه واستنزاف ساعاته عبر وسائل لا تنتهي حتى أصبح كثيرون يستيقظون ويخلدون إلى النوم دون أن يشعروا أين ذهبت ساعات يومهم وبينما يظنون أنهم يقتلون الوقت يكون الوقت هو الذي يقتل أحلامهم ويستهلك أعمارهم بصمت وأما استثمار العمر ولا يعني أن يعيش الإنسان في عمل متواصل أو أن يحرم نفسه من الراحة والسعادة وإنما يعني أن يكون لكل ساعة هدف ولكل يوم معنى وأن يوازن بين واجباته وراحته وأن يجعل من وقته وسيلة لبناء نفسه وخدمة أسرته ومجتمعه فالعلم استثمار والعمل استثمار والعبادة استثمار وصلة الرحم استثمار وتربية الأبناء استثمار وكل خير يزرعه الإنسان اليوم سيجني ثماره غدا .

ولقد أدرك الحكماء منذ القدم أن الزمن هو أغلى ما يملكه الإنسان لأن كل إنجاز عظيم بدأ بلحظة أحسن صاحبها استغلالها وكل فشل كبير بدأ بدقائق استهان بها صاحبها حتى تراكمت وضاع معها العمر ولذلك فإن الناجحين لا يملكون وقتًا أكثر من غيرهم لكنهم يملكون قدرة أكبر على توجيه وقتهم نحو ما يستحق وإن الإنسان حين يراجع حياته يكتشف أن أجمل أيامه لم تكن تلك التي امتلك فيها أكثر الأموال وإنما تلك التي شعر فيها بأنه حقق هدفًا أو تعلم شيئًا جديدًا أو أسعد إنسانا أو ترك أثرا طيبا في حياة الآخرين لأن قيمة العمر لا تقاس بطوله وإنما بما يتركه صاحبه من خير بعد رحيله ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه في بداية كل يوم ليس كم سأربح من المال وإنما كيف سأستثمر هذا اليوم من عمري لأن الأيام لا تنتظر أحدا والعمر يمضي في صمت ومن أحسن استثمار وقته ربح الحياة ومن أهدره خسر رأس ماله الحقيقي قبل أن يدرك حجم الخسارة.

شارك هذا المنشور