الروح السر المكنون الذي حير العالمين جمعياً

" ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي"

تظل الروح هي السر المكنون الذي حيّر العالمين جمعيا، لا أحد يعرفها مداها أو معارجها أو سبحاتها في ملكوت الله وسريانها في أرواح كل ما خلق الله إلا الله لأنها سر اختص الله به لنفسه ولم يُطلع عليها أحد.

فالروح نفخة من روح الله وذاته أودعها في الخلائق لتكون هي الصلة والحبل الممدود بينهم وبينه جل جلاله، فكيف للإنسان أن يذكر ويُسبح بحمد ربه دون روح؟ حتى الأحجار الصماء والرمال في الجبال القفار والبحار والأنهار والمحيطات والسحب المعلقة بين السموات والأرض والتراب والخصى كل هذه المخلوقات نفخ الله فيها بروحه كي تسبحه وقد جاء ذلك في قوله تعالى " وما من شيء إلا ويسبح بحمده".

ولأن الله سبحانه وتعالى فضّل الإنسان على سائر مخلوقاته فقد كانت الروح وسريانها في جسم بني البشر ترجمة حقيقية لمدى إعجاز الله في العالمين، فكل حركات وسكنات الإنسان وأفعاله الطيبة هي انعكاس وترجمة للروح التي نُفخت فيه من ذات ربه.

وقد ثبت في أقوال الكثير من علماء الصوفية أن الروح ما هي إلا غيب مُطلق وإيمان بالله الواحد وهي سر من أسرار الله لم يُكشف لأحد لذلك نسب الله الإجابة عنها لنفسه في قوله تعالى " قل الروح من أمر ربي".

الروح والطين
لطالما امتزجت الروح النورانية بالجسد المخلوق من الطين فترى هنا أم الإعجاز بعينك.. فكيف لنور أن يسكن طين؟ … وكيف يتآلفان كل هذا التآلف فيخرج منهما الصالحون والعُبّاد والرهبان والسائرون إلى الله ومن تبعهم؟
فالإجابة على كل هذه التساؤلات تكمن في كلمتين فقط ( سبحان الله)، فالروح هي ذلك النبض الغامض والجوهر المجرد الذي يعطي للحياة معناها وهي الجسر الذي يربطنا بالأكوان والأفلاك والأملاك وقد تُطلع الروح على غيبات الله فيأذن لها أن ترى وتشاهد بما شاء وفتح الله لها من المعرفة.. فهذا يقول رأيت في نومي سيدنا عيسى وهذا يقول رأيت في نومي العذراء مريم البتول، وهذا يقول أنني رأيت النبي محمد والكعبة والمدينة وطفت بالبيت الحرام، فالرآي بينه وبين وجود سيدنا المسيح عيسى والسيدة العذراء مريم وأشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مئات السنين ولكن روحه اخترقت الحُجب وسرت بسر الله فيها وفُتح لها حتى رأت أشرف وأفضل ما خلق الله من عباده.

فالروح كالطفل إن لاطفتها نمت

الله سبحانه وتعالى يُلهم عباده الخير ويهديهم سبله في الفلاح والصلاح ويبث فيهم طرق رقي أرواحهم للوصول إليه بطريقة سريعة سهلة فكل هذه المعطيات تكمن في تغذية الروح وتهذيب النفس لأن الروح والنفس تضادان ودائما هما محور الصراع عند الإنسان إما تنتصر الروح فيسموا الإنسان بسموها أو تطغى النغس فيهلك الإنسان بما تمليه عليه نفسه من الشر.

غذاء الروح

ثيت عن كافة العلماء والعارفين وأهل الفطنة على مر الزمان أن الغذاء الوحيد للروح هو عبادة الله المُطلقة، ولأن كلمة عبادة كلمة مطاطة فقد رأى أهل العلم والمعرفة أن عبادة الله تكن بذكره او كما قيل بالعامية( اللي بيحب حد بيجيب سيرته كل شوية) فكان الذِكر هو لصيق الروح الذي لا ينفلت عنها مطلقا فالبذِكر تنمو الروح وتكبر ويفتح لها أبواب الولوج في عالم الله الخفي د، ويفتح لها من أسرار الله ما شاء الله لها.

ولأن كلمة الذكر أيضا مطاطة فقد لجأ أهل السابقة من العلم والمعرفة إلى تخفيف الكلمة فاصبح الدارج لها( أوراد) وكل ورد بكسر الواد له موعد بعد كل صلاة أو قبلها.. بعد صلاة الأحد في الكنيسة أو قبلها والغرض من القسمة هنا هو مداومة ذكر الله تعالى على مدار اليوم من ساعة الاستيقاظ حتى وقت الخلود في النوم.

مردود الروح على الإنسان
للروح تجليات جمة لا حصر لها فقد تظهر تجليات الروح في الحياة اليومية للإنسان تظهر في معاملته الطيبة للآخرين للمودة واللطف بينه وبين أخوه الإنسان، لتقديم الخير والمساهمة فيه.

الروحانية ودورها في هذا الزمان
نعيش في زمان متسارع كأن البركة فد نزعت منه ويأتي هنا دور الروحانية لأنها بمثابة الميزان الحساس الذي يزن الأمور ويخلق توازن رباني عند الإنسان في حياته وعمله وعلاقته بالآخرين فإن انمحت الروحانية ترى العالم يعيش في حالة من الاقتتال والتصارع على المال والسُلطة لأن هنا النفس تكون هي ذراع التحكم في الإنسان فالروح تصنع التوازن وتضع الإنسان دائما في مسار تفكيره السليم الذي يهديه إلى فطرته السليمة عائدا لله بروح طاهرة نقية يدخل في رحاب ربه بصفاء روحاني خالِ من الشوائب كيوم ولدته أمه.

شارك هذا المنشور