الحاجة أم الاختراع.. الفرق بين الطالب والمبتكر؟

بقلم؛رامي البنا
وقف الطفل أمام لعبته المكسورة، يقلبها بين يديه في صمت، لم يجرِ إلى والده ليشتري له أخرى، ولم يلقها في سلة المهملات كما يفعل الكثيرون، جلس على الأرض، فككها قطعةً قطعة، وتأمل كل جزء فيها، ثم أعاد تركيبها بطريقة مختلفة حتى عادت تدور من جديد، ثم ابتسم ابتسامة المنتصر، بينما كان والده يراقبه من بعيد، في تلك اللحظة لم يكن يرى طفلًا يصلح لعبة، بل كان يشاهد بذرة مبتكر وُلدت من مشكلة صغيرة، فالحاجة لم تدفعه إلى الشكوى، بل دفعته إلى التفكير، ومن التفكير خرج الحل.

منذ قديم الزمان، كانت الحاجة هي الشرارة الأولى لأعظم الاختراعات، فالإنسان لم يخترع العجلة لأنها كانت رفاهية، بل لأنه احتاج وسيلة تنقل أسهل، ولم يخترع المصباح لأنه أراد إضاءة أجمل، بل لأنه أراد أن يهزم ظلام الليل، ولم تظهر وسائل الاتصال الحديثة إلا لأن الإنسان احتاج إلى تقليص المسافات وتوفير الوقت، كل اختراع عظيم بدأ بمشكلة حقيقية، ثم جاء عقل رفض الاستسلام لها.

وهنا يظهر الفرق بين الطالب والمبتكر، فالطالب يتعلم الحلول الموجودة، ويحفظها ليجيب بها في الامتحان، بينما المبتكر لا يكتفي بما تعلمه، بل يسأل: هل توجد طريقة أفضل؟ هل يمكن أن يكون هناك حل جديد؟ الطالب يبحث عن الإجابة الصحيحة، أما المبتكر فيبحث عن السؤال الذي لم يطرحه أحد من قبل.

لا يعني ذلك أن الدراسة أو الشهادة بلا قيمة، بل على العكس، فالعلم هو الوقود الذي يغذي الابتكار، لكن الشهادة وحدها لا تصنع مخترعًا إذا غاب الفضول، ولم يتدرب العقل على التفكير والتحليل والتجربة، فكم من شخص يحمل أعلى المؤهلات، لكنه ينتظر من يحل له المشكلات، وكم من مبتكر بدأ بفكرة بسيطة غيّرت حياة الملايين لأنه امتلك عقلًا يبحث عن الفرص داخل الأزمات.

إن المجتمعات التي تشجع أبناءها على السؤال أكثر من الحفظ، وعلى التجربة أكثر من التلقين، هي التي تصنع العلماء ورواد الأعمال والمخترعين، فالابتكار لا يولد في بيئة تخشى الخطأ، بل في بيئة تعتبر الخطأ خطوة نحو النجاح.

وخلال متابعتنا لهذا المقال، نجد قاعده من قواعد الحياة حقيقيه وليست مستوحاه، وهي ان قد يدخل الطالب قاعة الامتحان ليبحث عن درجة، أما المبتكر فيدخل الحياة ليبحث عن حل، والفرق بينهما ليس في الذكاء، بل في طريقة التفكير، فالحاجة قد تكون أم الاختراع، لكن العقل الذي يرفض الاستسلام هو الأب الحقيقي لكل إنجاز يغير العالم.

شارك هذا المنشور