الأخلاق عملة لاتباع

بقلم: مصطفى حافظ

في زحام الأيام وتلاحم تفاصيل الحياة اليومية نردد كثيراً عبارة "الدنيا اتغيرت والناس اِتغيرت" ونقف أحياناً مذهولين أمام مواقف غريبة على طبيعتنا فنظن أن قطار العمر السريع قد دهس في طريقه بعضاً من قيمنا.

لكن المتأمل في عمق هذا الشعب العظيم يدرك سريعاً أن "الأخلاق المصرية" ليست قشرة خارجية تذوب مع الزمن بل هي جينات متوارثة وسبيكة صلبة صاغتها السنون ولا تحتاج إلا لمن ينفض عنها غبار العصر ليظهر بريقها الأصيل.

الأخلاق ليست "شعاراً"بل "ممارسة يومية"
الأخلاق في الدفتر المصري لم تكن يوماً نصوصاً جامدة في كتب التربية الوطنية بل هي سلوك حي نراه في تفاصيل بسيطة قد لا نلتفت إليها من فرط اعتيادنا عليها.

هي "شهامة ابن البلد" الذي تجده تلقائياً يندفع ليدفع سيارة تعطلت في منتصف الطريق مع شخص لا يعرفه. هي "المروءة" التي تجعل بائعاً بسيطاً في سوق شعبي يخفض سعر بضاعته لامرأة مسنة دون أن يشعرها بالحرج.

هي "جبر الخواطر" تلك الكلمة المصرية العبقرية التي تلخص أسمى معاني الإنسانية والرحمة.

في حاراتنا وبيوتنا تربينا على أن الأخلاق هي "الحياء" و"احترام الكبير" و"مراعاة الجار قبل الدار".

كان الجار يربي أبناء جاره وكان الفرح فرح المنطقة كلها والمواساة واجباً مقدساً يتسابق إليه الجميع بقلوب راضية.

هذه الخلطة السحرية من التكافل والود هي الحصن الحصين الذي حمى مجتمعنا في أصعب الظروف.

تحديات العصر.. و"تريندات" الانفصال
لا يمكن أن ننكر أننا نعيش في عصر يفرض تحديات أخلاقية وسلوكية جديدة خاصة مع الانفتاح الرقمي الرهيب. أصبحت السوشيال ميديا شاشة تعرض أحياناً سلوكيات غريبة من التنمر والتسابق على "التريند" ولو على حساب قيم الخصوصية والاحترام المتبادل.

تحول النقاش في بعض الأحيان إلى ملاسنات وتراجعت قيمة "الكلمة الطيبة" لحساب "اللايك والشير".

لكن الرهان الحقيقي كان وسيظل على "الوعي"

إن مواجهة هذه الظواهر لا تأتي باللوم المستمر بل بإعادة إحياء وتصدير النماذج الإيجابية المشرفة.
نحتاج أن نذكر أنفسنا وأولادنا بأن الأخلاق هي رأسمالنا الحقيقي وأن "الشخصية المصرية" تستمد قوتها وهيبتها من تمسكها بأصولها وجذورها الطيبة.

العودة إلى الأصول
إن استعادة الرونق الكامل للأخلاق المصرية في الشارع والمؤسسة والبيت يتطلب منا وقفة مع النفس.
نحتاج أن نعيد للتعليم دوره في غرس القيم بجانب العلوم وأن تقدم الدراما والإعلام الفن الذي يرتقي بالذوق العام ويبرز الجمال الإنساني داخلنا والأهم من ذلك أن نكون نحن القدوة في تعاملاتنا اليومية.

وفى الختام…
يقول التراث المصري الحكيم في وصف الشخص الأصيل "فلان ده ابن أصول ومتربي على الغالي" والغالي هنا ليس المال ولا الجاه بل هو قيم النفوس ونقاء السريرة والشهامة التي لا تباع ولا تشترى.

لنتذكر دائماً أن جمال مصر الحقيقي ليس فقط في نيلها وتاريخها بل في طيبة أهلها وجدعنتهم.

فلنحافظ على هذا الأصل ولنجعل من أخلاقنا منارة تضيء دروب الحاضر والمستقبل.

شارك هذا المنشور