اقتصاد الوهم.. كيف تلتهم السعادة الزائفة أموالك وحياتك؟

لم تعد السعادة هدفًا يسعى إليه الإنسان، بل أصبحت صناعة عالمية تدر مئات المليارات من الدولارات سنويًا. لم يعد السؤال الذي يطرحه المسوقون هو "ماذا يحتاج الناس؟"، بل "كيف نجعلهم يشعرون أنهم ينقصهم شيء؟". فكلما زاد الإحساس بالنقص، زادت المبيعات، وارتفعت الأرباح، واستمرت عجلة الاقتصاد الاستهلاكي في الدوران.

هنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل. الاقتصاد الحديث لا يزدهر عندما يشعر الإنسان بالاكتفاء، بل عندما يبقى في حالة بحث دائم عن المزيد. لذلك أصبحت السعادة، في كثير من الأحيان، سلعة أكثر منها شعورًا، ورسالة إعلانية أكثر منها تجربة إنسانية.

لم يعد شراء سيارة جديدة يعني امتلاك وسيلة نقل، بل شراء شعور بالنجاح. ولم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة اتصال، بل وسيلة للحصول على الاعتراف الاجتماعي. حتى الملابس والسفر والمطاعم الفاخرة تحولت إلى أدوات لبناء صورة ذهنية أمام الآخرين أكثر من كونها وسائل لإشباع احتياجات حقيقية.

هذه ليست مصادفة، بل نتيجة مباشرة لما يسميه علماء الاقتصاد السلوكي "اقتصاد الرغبة"، وهو اقتصاد لا يعتمد على تلبية الاحتياجات، وإنما على إنتاج احتياجات جديدة باستمرار.

في الماضي، كان الإعلان يخبرك بوجود منتج. اليوم يخبرك بأنك لست كاملًا من دونه.

نجح الاقتصاد الرقمي في تحويل المقارنة الاجتماعية إلى نشاط يومي. فقبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي، كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة محدودة من الأقارب والجيران وزملاء العمل. أما اليوم، فهو يقارن حياته بمئات الأشخاص يوميًا، كثير منهم يعرضون أجمل لحظاتهم فقط، بينما يخفون واقعهم بكل تناقضاته.

تتحول المقارنة إلى شعور بالنقص، ويتحول النقص إلى رغبة في الشراء، وتتحول الرغبة إلى إنفاق، ثم تعود المقارنة من جديد. إنها دائرة اقتصادية مغلقة، لكنها مربحة للغاية.

تسمي الأوساط الاقتصادية هذه الظاهرة "اقتصاد الانتباه". فشركات التكنولوجيا لا تبيع التطبيقات للمستخدمين، بل تبيع انتباه المستخدمين للمعلنين. وكل دقيقة إضافية يقضيها الفرد في تصفح حياة الآخرين تعني فرصة أكبر لشراء منتج جديد، أو الاشتراك في خدمة جديدة، أو الاقتناع بأنه يحتاج إلى حياة مختلفة. وهكذا يصبح الإنسان في الوقت نفسه مستهلكًا وبضاعة.

ولا تقتصر التكلفة على الأموال فقط، بل تمتد إلى طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي داخل الأسرة. تشير دراسات الاقتصاد السلوكي إلى أن كثيرًا من قرارات الشراء لا تُبنى على الحاجة، وإنما على المشاعر العابرة والخوف من فقدان الفرصة، أو الرغبة في مجاراة الآخرين. وهنا يصبح الاستهلاك فعلًا عاطفيًا أكثر منه قرارًا عقلانيًا.

والنتيجة واضحة في كثير من المجتمعات. ارتفاع معدلات القروض الاستهلاكية، وزيادة الاعتماد على بطاقات الائتمان، وتراجع الادخار، وتأجيل الاستثمار في التعليم أو المشروعات الصغيرة لصالح إنفاق سريع يفقد قيمته بعد فترة قصيرة. وهذه ليست مجرد مشكلة مالية، بل خسارة اقتصادية مركبة.

كل جنيه يُنفق لإرضاء صورة اجتماعية مؤقتة هو في الوقت نفسه جنيه لم يُستثمر في مهارة جديدة، أو مشروع منتج، أو أصل يحقق دخلًا مستقبليًا. هنا تظهر "تكلفة الفرصة البديلة"، وهي من أهم المفاهيم الاقتصادية. فالقضية ليست فقط فيما دفعته، بل فيما فقدته لأنك اخترت هذا الإنفاق بدلًا من خيار آخر أكثر قيمة.

ثم تأتي المفارقة التي حيّرت الاقتصاديين لعقود، والمعروفة باسم "مفارقة إيسترلين". فقد أظهرت دراسات متعددة أن ارتفاع دخل الأفراد يرفع مستوى الرضا إلى حد معين، ثم يبدأ تأثيره في التراجع، بينما تستمر الرغبة في زيادة الدخل والإنفاق بلا نهاية. بعبارة أخرى، المال يحسن جودة الحياة، لكنه لا يشتري السعادة بالقدر الذي توحي به الإعلانات. وهذا الأمر لا يتعلق بقيمة الأشياء، بل بسرعة اعتياد الإنسان عليها.

يطلق علماء النفس على ذلك "التكيف اللذّي". يحصل الإنسان على ترقية فيسعد أيامًا أو أسابيع، ثم تصبح وضعًا طبيعيًا. يشتري سيارة جديدة، وبعد أشهر تتحول إلى مجرد وسيلة مواصلات. ينتقل إلى منزل أكبر، ثم يبدأ في التفكير في منزل أكثر اتساعًا. وهكذا يتحول الإنجاز إلى نقطة بداية لرغبة جديدة، وليس إلى نهاية رحلة. وهذه الآلية النفسية تمثل الوقود الحقيقي للاقتصاد الاستهلاك. لكنها في المقابل تستهلك الإنسان ببطء.

فكلما ارتفع مستوى الإنفاق للحفاظ على نمط حياة معين، زادت ساعات العمل، وارتفع الضغط النفسي، وتراجعت جودة العلاقات الأسرية، وقل الوقت المتاح للصحة والراحة والتأمل. وهكذا يصبح الإنسان أكثر ثراءً على الورق، لكنه أكثر فقرًا في وقته وهدوئه. وهنا تظهر تكلفة اقتصادية لا تُقاس بالنقود.. إنها تكلفة العمر.

كم ساعة عمل إضافية قضاها شخص ليشتري شيئًا لم يكن يحتاج إليه أصلًا؟ كم أسرة دخلت في دوامة الديون حتى تحافظ على صورة اجتماعية لا تعكس واقعها؟

كم شاب أخّر تأسيس مشروعه لأنه فضّل إنفاق مدخراته على مظاهر استهلاكية تمنحه إعجاب الآخرين لبضعة أيام؟

هذه الأسئلة لا تظهر في تقارير البنوك، لكنها تؤثر في مستقبل الاقتصادات والمجتمعات.

الأكثر خطورة أن السعادة الزائفة تعيد تعريف النجاح. فبدلًا من أن يُقاس بما يضيفه الإنسان إلى حياته وإلى المجتمع، أصبح يُقاس بما يملكه، أو بما يعرضه على شاشة الهاتف. وهكذا يتحول النجاح من رحلة بناء إلى عملية عرض مستمرة.

لكن الاقتصادات القوية لا تُبنى بالمظاهر، بل بالإنتاج والابتكار والاستثمار في الإنسان.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الفقر والغنى، وإنما بين الاكتفاء واللهاث. فالشخص الذي يملك القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة يمتلك ميزة اقتصادية لا تقل أهمية عن ارتفاع دخله. إنه أقل عرضة للديون، وأكثر قدرة على الادخار، وأفضل استعدادًا للاستثمار في مستقبله.

ربما لن تتوقف الإعلانات عن إقناعنا بأن السعادة تُشترى. ولن تتوقف منصات التواصل عن عرض حياة تبدو مثالية. ولن يتوقف الاقتصاد عن البحث عن مستهلك أكثر اندفاعًا. لكن يبقى القرار الأخير في يد الإنسان. فالثروة الحقيقية ليست ما تملكه في حسابك البنكي، بل ما لا تحتاج إلى شرائه حتى تشعر بأن حياتك مكتملة.

وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة، لن يوفر أمواله فقط، بل سيسترد أيضًا وقته، وراحته، وقدرته على الاستمتاع بما لا تستطيع الأسواق بيعه، ولا تستطيع الإعلانات تسعيره، ولا تستطيع الخوارزميات تحويله إلى سلعة.. هناك تبدأ السعادة التي لا تخضع لقوانين العرض والطلب.

شارك هذا المنشور