كتبت : شهد سعيد
يعد كتاب العلاج السلوكي المعرفي ببساطة ست مهارات لتحسين حالتك المزاجية في دقائق من الكتب التي تقدم مفاهيم العلاج النفسي بطريقة سهلة وقريبة من القارئ حيث استطاع مؤلفوه الدكتور ماثيو مكايو والدكتورة مارثا ديفيس وباتريك فانينج أن يحولوا واحدة من أكثر المدارس العلاجية استخداما في العالم إلى دليل عملي يساعد الإنسان على فهم نفسه والتعامل مع مشاعره بصورة أكثر وعيا واتزانا ويتميز الكتاب بأنه لا يوجه حديثه إلى المتخصصين فقط بل يخاطب كل شخص يبحث عن وسيلة للتخلص من القلق أو التوتر أو الأفكار السلبية التي تؤثر في حياته اليومية ويقوم العلاج السلوكي المعرفي على فكرة رئيسية وهي أن الإنسان لا يتأثر بالأحداث وحدها بل بالطريقة التي يفسر بها هذه الأحداث فقد يمر شخصان بالموقف نفسه لكن يختلف شعورهما تماما بسبب اختلاف طريقة التفكير ولذلك يؤكد الكتاب أن تغيير الأفكار غير المفيدة ينعكس بصورة مباشرة على المشاعر والسلوك وهو ما يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الضغوط وحل المشكلات والتعامل مع تحديات الحياة بطريقة صحية.
يرى المؤلفون أن كثيرا من الناس يقعون في أخطاء ذهنية دون أن ينتبهوا إليها مثل تضخيم المشكلات أو توقع الأسوأ دائما أو إصدار أحكام قاسية على أنفسهم أو الاعتقاد بأن خطأ واحد يعني الفشل الكامل وهذه الأنماط من التفكير تؤدي مع مرور الوقت إلى زيادة مشاعر الحزن والقلق والإحباط ولذلك يركز الكتاب على تعليم القارئ كيف يلاحظ هذه الأفكار ويختبر صحتها قبل أن يصدقها ويتعامل معها على أنها حقيقة مطلقة ويقدم الكتاب ست مهارات أساسية يمكن لأي شخص أن يتعلمها ويستخدمها في حياته اليومية دون الحاجة إلى خبرة متخصصة وتبدأ هذه المهارات بالقدرة على التعرف على الأفكار التلقائية التي تظهر في الذهن عند التعرض لأي موقف لأن هذه الأفكار هي التي تحدد طبيعة المشاعر اللاحقة فعندما يدرك الإنسان ما يدور في عقله يصبح أكثر قدرة على تغييره بدلا من أن يظل أسيرا له.
أما المهارة الثانية فهي إعادة تقييم الأفكار من خلال البحث عن الأدلة التي تؤيدها أو تنفيها فالكتاب يدعو القارئ إلى أن يتعامل مع أفكاره بعقلية الباحث لا بعقلية المستسلم وأن يسأل نفسه هل ما أفكر فيه حقيقة أم مجرد توقع وهل توجد تفسيرات أخرى للموقف وهذا الأسلوب يساعد على تقليل المبالغة في تفسير الأحداث ويمنح الإنسان رؤية أكثر واقعية وتأتي بعد ذلك مهارة تنظيم المشاعر وهي تقوم على فهم العلاقة بين الفكر والشعور والسلوك فالإنسان عندما يغير طريقته في التفكير يبدأ تلقائيا في الشعور بدرجة أقل من التوتر أو الحزن ويصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مناسبة كما يشير الكتاب إلى أن تقبل المشاعر وعدم الهروب منها يساعد على التعامل معها بصورة أفضل بدلا من مقاومتها أو إنكارها ويولي الكتاب اهتماما كبيرا بتغيير السلوك لأن الأفكار وحدها لا تكفي فالشخص الذي يعاني من القلق قد يتجنب كثيرا من المواقف خوفا من الفشل لكن هذا التجنب يزيد المشكلة تعقيدا ولذلك يشجع العلاج السلوكي المعرفي على اتخاذ خطوات صغيرة ومتدرجة لمواجهة المخاوف حتى يكتسب الإنسان خبرات جديدة تثبت له أن كثيرا مما كان يخشاه لم يكن حقيقيا.
ويتحدث المؤلفون أيضا عن أهمية الاسترخاء واليقظة الذهنية باعتبارهما وسيلتين فعالتين لتقليل التوتر وتحسين التركيز فالتنفس الهادئ والانتباه للحظة الحالية يساعدان العقل على التخلص من الضغوط المتراكمة ويمنحان الإنسان قدرة أكبر على التفكير بهدوء واتخاذ قرارات أفضل بعيدا عن الانفعال والاندفاع و أن التغيير لا يحدث بين يوم وليلة بل يحتاج إلى ممارسة مستمرة لأن الأفكار والعادات التي تكونت عبر سنوات لا يمكن أن تختفي في وقت قصير ولذلك ينصح القارئ بأن يتحلى بالصبر وأن ينظر إلى كل تقدم صغير على أنه خطوة مهمة نحو التعافي وتحسين جودة الحياة فكل مرة ينجح فيها الإنسان في تغيير فكرة سلبية أو مواجهة موقف كان يخشاه فإنه يقترب أكثر من بناء شخصية أكثر قوة ومرونة.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها الكتاب أن الإنسان لا ينبغي أن يربط قيمته الشخصية بالنجاح أو الفشل في موقف معين لأن قيمة الإنسان أكبر من أي تجربة عابرة ولهذا يدعو إلى التعامل مع الأخطاء باعتبارها فرصا للتعلم والنمو وليس دليلا على العجز أو نقص الكفاءة كما يشجع على ممارسة التعاطف مع الذات بدلا من جلدها وانتقادها بصورة مستمرة وأهمية العلاقات الإنسانية في تحسين الصحة النفسية فالدعم الذي يحصل عليه الإنسان من أسرته أو أصدقائه يخفف من الضغوط ويساعده على تجاوز الأزمات وأن القدرة على التعبير عن المشاعر وطلب المساعدة عند الحاجة تعد من علامات القوة وليست دليلا على الضعف كما يعتقد البعض ورغم بساطة الأسلوب الذي كتب به هذا العمل فإن محتواه يستند إلى أسس علمية أثبتت فاعليتها في علاج العديد من الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب ونوبات الهلع والضغوط اليومية ولهذا أصبح العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب العلاجية انتشارا في العالم لما يقدمه من أدوات عملية تساعد الإنسان على تغيير حياته بطريقة واقعية وقابلة للتطبيق و يقدم كتاب العلاج السلوكي المعرفي ببساطة رسالة مهمة مفادها أن الإنسان يستطيع أن يحسن حالته النفسية إذا تعلم كيف يفهم أفكاره ويتعامل معها بطريقة صحيحة وأن المشاعر ليست قدرا ثابتا بل هي نتيجة لما يدور داخل العقل وأن امتلاك بعض المهارات البسيطة وممارستها بشكل مستمر يمكن أن يحدث فرقا كبيرا في جودة الحياة ويمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة التحديات بثقة وهدوء وأمل.