العقول الصغيرة.. استثمار يصنع مستقبل الأوطان

تقرير: رقية سيد

في أحد الفصول الدراسية، رفع طفل يده ليسأل سؤالًا خارج المنهج، فطلب منه معلمه أن يلتزم بالدرس عاد إلى منزله يحمل السؤال نفسه، فقوبل بعبارة: "كبر دماغك وركز في مذاكرتك" لم يكن أحد يدرك أن السؤال الذي أُغلق بابه في ذلك اليوم، ربما كان بداية فكرة كبيرة لم تجد من يمنحها فرصة للحياة.

هكذا تبدأ الحكاية في كثير من الأحيان فالإبداع لا يختفي لأن الأطفال يفتقرون إلى الموهبة، بل لأن الموهبة قد لا تجد من يراها أو يؤمن بها ومن هنا، يصبح استثمار العقول مسؤولية تبدأ داخل الأسرة، وتنتقل إلى المدرسة، ثم تتسع لتشمل المجتمع بأكمله.

فالأسرة ليست المكان الذي ينشأ فيه الطفل فقط، بل هي البيئة التي تتكون فيها نظرته إلى نفسه عندما يشعر بأنه مسموع، وأن رأيه محل احترام، وأن محاولاته تستحق التشجيع حتى وإن أخطأ، يكتسب شجاعة التفكير، وهي أول خطوة على طريق الإبداع أما حين يعيش في بيئة لا ترى سوى الأخطاء، فإن ثقته بنفسه تتراجع، ويصبح الخوف من الفشل أقوى من رغبته في التجربة.

ثم يأتي دور المدرسة ليبني على ما غرسته الأسرة، أو يعوض ما فاتها فالمعلم الذي يكتشف موهبة طالب، ويمنحه فرصة للمشاركة، قد يغير مستقبله دون أن يشعر كما أن الأنشطة المدرسية ليست وقتًا ترفيهيًا، بل مساحة يكتشف فيها الطالب ما قد لا تكشفه الكتب والامتحانات، من قدرة على الإلقاء، أو الرسم، أو البحث، أو القيادة، أو الابتكار.

لكن الطريق لا يكتمل عند هذا الحد، فالمجتمع هو الامتحان الحقيقي لكل موهبة حين يجد الشاب مكتبة تفتح أبوابها، أو مركزًا ثقافيًا يحتضن أفكاره، أو مبادرة تمنحه فرصة للظهور، يدرك أن اجتهاده له قيمة، وأن حلمه يمكن أن يصبح واقعًا فالموهبة، مهما كانت كبيرة، تحتاج إلى بيئة تؤمن بها حتى تستمر.

ولعل أجمل ما في استثمار العقول أنه لا يرتبط بسن أو طبقة اجتماعية أو إمكانات مادية فقد تبدأ الحكاية بكتاب يقدمه أب لابنه، أو معلمة تصفق لطالبة خجولة بعد أول مشاركة لها، أو مسؤول يفتح باب مسابقة أمام الموهوبين تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها قد تصنع فارقًا يمتد لسنوات.

فالمجتمعات التي تسبق غيرها ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكثر الموارد، وإنما التي تعرف كيف تكتشف الإنسان قبل أن يكتشفه غيرها، وكيف تحافظ على موهبته قبل أن تنطفئ، وكيف تحول أحلام أبنائها إلى واقع ينعكس على الجميع.

فبناء جيل مبدع لا يبدأ من قرار رسمي، ولا من مشروع مؤقت، بل يبدأ من ثقافة تؤمن بأن كل طفل يحمل داخله فرصة تستحق الرعاية فالعقول لا تُصنع بالصدفة، وإنما تُبنى بالاهتمام، وتكبر بالتشجيع، وتزدهر عندما تجد أسرة تؤمن بها، ومدرسة ترعاها، ومجتمعًا يفتح لها الطريق وحينها فقط، لا نكون قد صنعنا أفرادًا ناجحين، بل صنعنا وطنًا أكثر قدرة على التقدم.

شارك هذا المنشور