الاعتذار من شيم الكرام، وأصحاب الأخلاق النبيلة، والصادقين في مشاعرهم، الذين لا يرون في الاعتذار انتقاصًا من قدرهم، بل يعدونه شجاعة أدبية وخلقًا رفيعًا.
فالاعتذار الصادق يجبر أثر الخطأ، ويخفف من غصة النفس التي خلّفتها الإساءة، كما أن قبول الاعتذار إذا كان صادقًا يُعد من مكارم الأخلاق.
وللاعتذار فن يعكس دماثة خلق صاحبه، ويكشف عن تواضعه وبعده عن الكبر والعناد، فليس من السهل على الإنسان أن يعترف بخطئه، ويذهب بنفسه إلى من أساء إليه طالبًا الصفح، لكن الأقوياء هم من يمتلكون هذه الشجاعة.
وتنتشر بين الناس، خاصة بين الأصدقاء والأحبة، عبارة تحمل طابعًا فكاهيًا يقولون فيها: "ماذا لو جاء معتذرًا؟"، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك،
فالاعتذار لا يغير الماضي، لكنه يفتح بابًا واسعًا لإصلاح المستقبل، ويمنح العلاقات فرصة جديدة للاستمرار.
ويقوم فن الاعتذار على عدة أسس، أولها أن يكون الاعتذار خاليًا من التبرير أو التهرب من المسؤولية، وأن يعترف المخطئ بخطئه بوضوح، ويعبر عن ندمه بصدق، دون أن يبحث عن أعذار تقلل من حجم ما ارتكبه، لأن كثرة التبريرات قد تفقد الاعتذار قيمته، وربما تدفع الطرف الآخر إلى رفضه.
ومن تمام الاعتذار أن يسعى المعتذر إلى إصلاح ما أفسده إن كان ذلك ممكنًا، وأن يتعهد بعدم تكرار الخطأ مرة أخرى، فالأفعال بعد الاعتذار أصدق من الكلمات، وهي التي تعيد الثقة وترمم ما انكسر بين القلوب.
وأصحاب الفطرة السليمة والقلوب الرحيمة هم أكثر الناس قدرة على قبول الاعتذار والتسامح، لأنهم يدركون أن البشر جميعًا يخطئون، وأن خيرهم من يعترف بخطئه ويسعى إلى إصلاحه. فالاعتذار صفة حميدة لا يمتلكها إلا صاحب النفس الكبيرة، الذي يقدّم الحفاظ على حبال المودة والرحمة بين الناس على كبريائه.
وقد عبّر الإمام الشافعي عن هذه القيمة الرفيعة في بيتين من أجمل ما قيل في الاعتذار:
قيل لي قد أسى عليك فلانٌ
ومقامُ الفتى على الذلِّ عارُ
قلتُ قد جاءني وأحدثَ عذرًا
دِيَةُ الذنبِ عندنا الاعتذارُ
فجعل الشافعي الاعتذار الصادق بمنزلة دية الذنب وكفارته، لأنه يجبر الخاطر، ويعيد الصفاء إلى النفوس، ويؤكد أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل من أنبل صور القوة الإنسانية.