قوة العفو عند المقدرة

العفو عند المقدرة من أعظم الأخلاق أثرا في بناء الفرد والمجتمع، فهو ليس تنازلا عن الحق أو ضعفا أمام المسيء، وإنما هو دليل على قوة النفس، وسعة الصدر، والقدرة على كبح الغضب والانتصار على هوى الانتقام. فالإنسان الذي يملك القدرة على العقاب ثم يختار العفو، يرتقي إلى منزلة عالية من الفضل والإحسان.

وقد دعا الإسلام إلى هذا الخلق الكريم في آيات كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾، وقال سبحانه: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾. والصفح الجميل هو العفو الذي يخلو من العتاب والتذكير بالإساءة، وهو خلق يطهر القلوب ويزرع المحبة بين الناس. وحتى في المواضع التي شرع فيها الإسلام القصاص تحقيقا للعدل، فتح باب العفو وجعله بابا للفضل، فقال تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم مكانة هذا الخلق بقوله: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»، فالعفو الحقيقي لا ينقص صاحبه، بل يزيده رفعة في أعين الناس، ومكانة عند الله تعالى. وقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في مواقف عديدة، كان أعظمها يوم فتح مكة، حين تمكن من الذين آذوه وحاربوه، فقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فضرب أروع الأمثلة في التسامح والرحمة.

ولا يقتصر العفو عند المقدرة على مواقف الخصومة الكبرى، بل يشمل حياتنا اليومية مع الأهل والأقارب والجيران وزملاء العمل وكل من يخطئ في حقنا. فكم من خلاف انتهى بكلمة عفو، وكم من علاقة عادت أقوى بسبب التسامح، وكم من مجتمع عاش في أمن واستقرار لأن أفراده قدموا الإحسان على الانتقام.

إن قوة العفو عند المقدرة هي قوة الإيمان، وقوة الأخلاق، وقوة الإنسان الذي يملك نفسه قبل أن يملك غيره. ومن يتحل بهذا الخلق ينل محبة الناس، ورضا الله تعالى، ويكون قد اقتدى بالأنبياء والصالحين، وفاز بعز الدنيا وثواب الآخرة.

شارك هذا المنشور