ثقافة الاستهلاك الرقمي.. كيف تدفع منصات التواصل الأفراد إلى شراء منتجات لا يحتاجونها؟

يستخدم كثيرون منصات التواصل الاجتماعي بدافع التسلية أو متابعة الأخبار، لكن خلف الشاشات تعمل خوارزميات ذكية تراقب اهتماماتهم وسلوكهم، لتقدم لهم إعلانات مصممة خصيصًا لكل مستخدم. وبين إعلان ممول ومقطع فيديو لمؤثر يوصي بمنتج جديد، تتحول دقائق من التصفح إلى قرار شراء لم يكن مخططًا له، لتصبح منصات التواصل واحدة من أبرز المحركات لثقافة الاستهلاك الرقمي، وما يترتب عليها من ضغوط متزايدة على ميزانيات الأسر.

ولم تعد الشركات تعتمد على الإعلانات التقليدية فقط، بل أصبحت تستثمر في البيانات الضخمة التي تجمعها المنصات عن المستخدمين، بدءًا من عمليات البحث، مرورًا بالإعجابات والتعليقات، وحتى مدة التوقف أمام مقطع فيديو معين. ومن خلال هذه المعلومات، تُوجَّه الإعلانات بدقة إلى الأشخاص الأكثر قابلية لشراء المنتج، وهو ما يزيد من فاعلية الحملات التسويقية ويحقق معدلات بيع مرتفعة.

ويلعب المؤثرون دورًا محوريًا في هذه المنظومة، بعدما أصبحوا حلقة الوصل بين العلامات التجارية والمستهلكين. فطريقة عرض المنتج داخل الحياة اليومية للمؤثر تمنح المتابع شعورًا بالثقة، وتدفعه إلى تقليد التجربة، خاصة مع تكرار ظهور المنتج عبر أكثر من صانع محتوى وفي أكثر من منصة، ليبدو وكأنه ضرورة لا غنى عنها.

ولا يتوقف الأمر عند الترويج المباشر، بل تعتمد المنصات على وسائل نفسية مؤثرة، مثل العروض محدودة الوقت، ورسائل "لم يتبق سوى عدد قليل"، والخصومات الحصرية، وهي أساليب تخلق شعورًا بالخوف من ضياع الفرصة، فيتخذ المستهلك قرار الشراء بدافع السرعة والانفعال، وليس بدافع الحاجة الفعلية.

وتنعكس هذه السلوكيات بشكل مباشر على ميزانية الأسرة، إذ تؤدي عمليات الشراء المتكررة لمنتجات غير ضرورية إلى زيادة الإنفاق الشهري، وتقليص فرص الادخار، وقد تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على التقسيط أو بطاقات الائتمان لتلبية نفقات كان من الممكن تجنبها.

ويرى متخصصون في الاقتصاد أن أخطر ما تفرضه ثقافة الاستهلاك الرقمي هو تغيير مفهوم الاحتياج لدى الأفراد، إذ يتحول اقتناء المنتجات إلى وسيلة لمواكبة الترند أو تقليد المؤثرين، بدلًا من تلبية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يرسخ أنماطًا استهلاكية يصعب التخلص منها مع مرور الوقت.

وفي ظل التوسع المستمر في التجارة الإلكترونية، وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تجعل الإعلانات أكثر دقة وتأثيرًا، تزداد أهمية نشر الوعي المالي والرقمي، وتشجيع المستهلكين على التمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة المؤقتة، حفاظًا على استقرار ميزانياتهم، وحتى لا تتحول ضغطة إعجاب أو مشاهدة مقطع قصير إلى فاتورة شراء لم تكن في الحسبان.

شارك هذا المنشور